كتبت عدة مقالات عندما تم تطبيق نظام ساهر قبل أكثر من عامين في جريدة الجزيرة، وقد كنت أحد المنتقدين لنظام ساهرعند بداية تطبيقه، ودائماً وكما هو معروف تبرز ثقافة مقاومة التغيير عند ظهور أي نظام جديد على المجتمع، ومن ثم يتعرّض في البداية للنقد والهجوم حتى يتعرف الناس إليه ويشعروا بمدى أهميته فيقبلوه ويصبح عندئذٍ جزءاً من حياتهم، ويبدأون في التفاعل بتطبيق أنظمته ويتماشون معها ويعتادون عليها، ويصبح عند أجيالنا سلوكاً من سلوكيات حياتهم يعتادون عليه ويطبقون أنظمته.
المتابع للمشهد المروري الآن يرى الانسيابية في السير والتزام الأغلبية بالنظام المروري، بعد أن تم فرض نظام «ساهر» على الرغم من كثرة الجدل والنقد الذي وجّه له في الصحف وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب الجباية التي يُجبيها هذا النظام من المواطنين، إلا أن تلك الانتقادات بدأت تتلاشى، وبدأ الجميع التعود على هذا النظام الجديد.
ما أنا بصدد الحديث عنه في هذا المقال هو أنه لدينا مشكلة معقدة جداً، تتمثل في أننا نبدأ بتطبيق الأنظمة بقوة، ومن ثَمَّ نتراخى شيئاً فشيئاً في النهاية، ولا أدري هل هذا يعود إلى تبدل الشخصيات في المناصب أم أنه ليس هناك خطط بعيدة المدى والأهداف التي يتم التعامل معها وفق آليات وإستراتيجيات واضحة؟
ساهر ضبط لنا النسق المروري العام في مدينة الرياض لفترة لا بأس بها، ولكن في الفترة الماضية أصبح هناك تكاسل كبير في متابعة السرعة الجنونية والحد من استهتار المتهورين بحياتهم وحياة الآخرين، والذين يقودون مركباتهم بسرعة جنونية ضاربين عرض الحائط بكل الأنظمة التي تحد من هذه السرعة.
أصبحنا الآن نشاهد السرعة الجنونية العالية والاستهتار بالآخرين من خلال قيادة بعض الشباب المتهورين لمركباتهم، وهذا يعود إلى غياب المتابعة المستمرة من المرور، حتى أنني أتساءل الآن: ما هو دور المرور في هذه الفترة بعد أن أوكلت مهمات الإشراف على حوادث السيارات إلى إحدى الشركات الخاصة؟ لم نعد نرى له دوراً حيوياً كما كان في السابق، نعم له بصمات الآن في القضاء على ظاهرة التفحيط وما يعرف بـ «الدرباوية»، وهذا عمل يشكرون عليه ونتمنى أن يستمر دون توقف، ولكن يجب أن يكون هناك خطة مستمرة للحد من التهور في القيادة وتعريض حياة الآخرين للخطر خصوصاً أننا في هذه الأيام المباركة من شهر رمضان.
لدينا كثير من الشباب المتهورين الذين لا يقدّرون مشاعر الآخرين فتجدهم يُعرّضون أنفسهم وغيرهم للخطر من خلال استهتارهم وعدم التزامهم بالأنظمة والقوانين، ومن هنا أتمنى من أي مسؤول في مرور الرياض أن يراقب حركة الدائري الشمالي في هذه الليالي ليرى العجب العجاب من التهور الذي لا تشاهده إلا بالخدع السينمائية في الأفلام الأمريكية.
إن هناك أنموذجاً رائعاً طبّق ونفّذ وتتم متابعته يومياً، وأصبح مألوفاً لدى الجميع ألا وهو منع الشاحنات من الدخول إلى مدينة الرياض نهاراً وحتى الساعة الحادية عشرة ليلاً، هذا النظام لو لم يوضع له من يتابعه لاختُرق، ولذلك أصبح الجميع يطبقونه ووضحت منافعه للجميع، فنظام ساهر بدأ قوياً، ولكنه اكتفى بوضع كاميرات في بعض الأماكن وبعض إشارات المرور عرفها الأغلبية فإذا اقتربوا من هذه الكاميرات اتبعوا النظام وسلكوه وإذا تجاوزوا تلك الكاميرات عادوا إلى ممارسة هواياتهم الخطرة في قياداتهم لمركباتهم بشكل مخيف ومروّع.
من وجهة نظري لزاماً علينا سن قوانين وأنظمة صارمة أخرى تساعد على ضبط الجميع ودفعهم للالتزام بها بغية الحد من السرعة الجنونية والتهوّر في قطع الإشارات التي أصبحنا نألفها بشكل يومي ويسبب ذلك حوادث مريعة مؤلمة وبعضها ربما تكون قاتلة في أغلب الأحيان؛ لأن التهوّر في قيادة المركبة وقطع الإشارات بشكل عشوائي لا يوجدان إلا في مجتمعنا أما المجتمعات الأخرى فيندر أن تشاهد مثل هذه المناظر؛ لأن هناك أنظمة وقوانين صارمة تقمع كل المخالفات التي قد تُرتكب.
ختاماً أقول: إن البلدان المتقدمة عندما تسن قوانين تتابعها متابعة جيدة حتى تصبح تلك الأنظمة سلوكاً وممارسة واقعية راسخة بل جزءاً من ثقافة المجتمع وعاداته فحري بنا أن تكون ممارساتنا وسلوكياتنا نابعة من ثقافاتنا التي اكتسبناها وتعلمناها لا أن تكون خوفاً من عقوبات وأنظمة وغيرها فقط، ومن ثم نعود إلى ما كنا عليه من الفوضى والاستهتار بأرواح الناس هذا السلوك الذي يرفضه المجتمع بأكمله.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٨٧) صفحة (١٢) بتاريخ (١٣-٠٧-٢٠١٣)