كرسي المدير هو المكان المغري لكثيرين سواء على مستوى الإدارة العليا أم الوسطى أم الصغرى .. لذا تجد الصراع يحتدم بشكل علني أو بشكل خفي بين طالبي هذا الموقع. وقد يُشكل التنافس حزما من التعاضد مع أو ضد.. ما يُحدث خلخلة في العمل تؤول إلى حرب خفية تصل بالعمل إلى الإخفاق ومن ثم الفشل.
وقد يصل إلى الكرسي من يستحقه أو لا يستحقه إلا أن العمل المستمر والإنجاز الرائع هما الكاشفان الحقيقيان والبرهانان الفعليان.. فكم من مديرين تضاءلوا أمام هيبة الكرسي .. وكم كرسي تحجم أمام القامات الباسقة لبعض المديرين .. إذاً المسألة ليست في الكرسي -أبداً- كما يظن بعضنا .. المسألة تكمن فيمن يستحق هذا المكان، ويوليه جل اهتماماته بالتخطيط الجيد والعلاقات الإنسانية والرؤية البعيدة التي تستند على الفهم والدراية مع الحرص على تحقيق أهداف المؤسسة.
وبما أن الإدارة هي المحرك الأساس لماكنة العمل .. فإننا نستبشر كثيراً حين يتسلم مقاليد الإدارة بأنواعها الثلاثة من هم جديرون بها, لأن المحصلة النهائية تتمثل في تنامي العطاء الإداري والإبداعي وسرعة وجودة الإنجاز, وفي الوقت نفسه نستاء كثيراً حين يتسنم هذا الموقع من ليس له أية صلة بفنون الإدارة ومهارة القيادة، حيث جاء بنفحة -حرفة الواو- لذا لا نستغرب أبداً أن تتحول إدارته إلى عصيدة بالمفهوم الشعبي، لأن الإدارة علم وفن وموهبة وجدارة وقدرة.
ومما يثير العجب سلوك بعض الأشخاص المرؤوسين الذين يقعون في الظل، إذ يتلونون بألوان سريعة التغيير حسب المناخ الملائم والبيئة المناسبين لمن أمامهم فهم يجيدون الابتسامة الصفراء، والكلمات المدهونة بزبدة المجاملة، بحسب المواقف التي تتواءم مع جلودهم الحرباوية. وصولا إلى منافع شخصية. وهم بطبيعة الحال العنصر الأسوأ في ضعف العمل وسوء الإنجاز.
ففي الوقت الذي كانوا يثنون على مديرهم السابق تجدهم أول من يقدحونه بالكلمات النابية ساعة مجيء المدير الجديد وينقصون من شأنه!!
ومما يزيد الألم لدى المديرين الذين كانوا يتسنمون المواقع المهمة سرعة نسيان أصدقائهم الكثر, وتفريغ ذاكرة جوالاتهم من أسمائهم لتنتقل إلى ذاكرة هاتف المدير الجديد.
والأكثر إيلاماً ظهور المدير الجديد بتصريحات تنسف جهود سابقيهم, ويجير النجاحات له وحده دون غيره, وكأنه المنقذ الوحيد، ولولاه لظلت ماكينة العمل تتلكأ وتصاب بالعطب. وحجب عن عينيه ما سيؤول إليه بعد ترك الكرسي مباشرة.
ومن الصور البيضاء والنقية التي مازالت راسخة في ذهني المشهد الحضاري والثقافي والأخلاقي والإداري لوزير الصحة، إذ أثبتت نفسه الكبيرة أن اعتلاء الكرسي أو التنحي عنه لا يغير شيئاً في طبائع الناس ذوي المعادن الأصيلة، وأن منظومة العمل سوف تسير، وسوف يكملها اللاحق .. في الوقت الذي جاء بعضهم بصوره البهية، ومشلحه المطرز بالقصب، دون كلمة شكر وثناء لسابقه.
علماً بأن التغيير هو سنة الحياة، ولولاه لكانت السنة فصلاً واحداً، واليوم إما نهارا وإما ليلا .. والتغيير لا يعني إغماط جهود الآخرين والتقليل من شأن جهودهم, ومن يرتق الكرسي اليوم فحتماً سيتنحى عنه في قادم الأيام إما بالتقاعد وإما بالإقالة, وأعتقد أن ترسيخ اسم المدير في الذاكرة ليس لعدد السنوات التي أمضاها, بل بما أنجزه من أعمال ومهام خدمة للمستفيدين.
الشكر يسجل بمداد من ذهب لكل مدير سجل إنجازاً واضحاً، وترك بصمات ملموسة يشعر بها الناس الذين هم النبض الصادق والبوصلة الحقيقية التي تحدد الاتجاه الفعلي لمؤشر الإنجاز لأية وزارة أو إدارة أو قسم.
فاصلة : أعطني مديراً مبدعاً أعطك منجزاً واضحا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٨٩) صفحة (١٦) بتاريخ (١٥-٠٧-٢٠١٣)