مع الإعلان عن عزل الدكتور محمد مرسي من رئاسة الجمهورية، بادرت أربع دول من مجلس التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية إلى الإعلان عن تقديم دعم مالي لانتشال الاقتصاد المصري من كبوته التي تعمقت في السنة الأولى من حكم الإخوان المسلمين الذين تصرفوا وكأنهم يقودون حزباً لا دولة كبيرة بحجم مصر. أعلنت السعودية أنها ستقدم خمسة مليارات دولار، والإمارات ثلاثة مليارات، والكويت نحو أربعة مليارات، فيما أعلنت البحرين إبقاء استثماراتها البالغة 4 مليارات دولار. وكانت قطر قد قدمت سبعة مليارات دولار مع الإعلان عن فوز مرسي والإخوان بالرئاسة في يونيو 2012، وقبلها في الانتخابات البرلمانية التي سيطر فيها الإخوان وحلفاؤهم من الجماعات الإسلامية على أغلبية مقاعد مجلس الشعب. وتتردد أحاديث أن المساعدات القطرية قد تم التحكم في أوجه صرفها من قبل بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين الذين لا يتبوأون مواقع رسمية في الدولة، مما أثار حفيظة المراقبين والمعارضين على وجه الخصوص عن أوجه صرف المليارات السبعة.
مصر التي تزاحمت فيها الطوابير على المحروقات والمواد الغذائية والأزمات المعيشية بما فيها تعطل الكهرباء والماء لساعات طويلة، بدأت تتأثر إيجاباً بالإعلان عن المساعدات الخليجية، ولو من الجانب المعنوي على الأقل، فتلاشت طوابير محطات الوقود بسرعة لافتة ومثيرة للتساؤلات إزاء حقيقة هذه الأزمة ومدى ارتباطها بالأزمة السياسية والدور الذي لعبه تجار السوق.
لاشك أن المساعدات في حال وصولها إلى القطاعات الرئيسية في الاقتصاد الوطني المصري سوف تفعل فعلتها، خصوصاً مع تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي لدى المصرف المركزي إلى أقل من 15 مليار دولار حالياً من 36 مليار دولار قبل اندلاع ثورة 25 يناير، وهي (المساعدات) ستحقن، حسب المقرر لها، مفاصل في الاقتصاد المصري لتحسين مستوى المعيشة. وبذلك تكون الدولة المصرية قد تحررت ولو قليلا من ضغوطات صندوق النقد الدولي الذي خاضت معه مصر مفاوضات شاقة لتمرير قرض مقداره 4.8 مليار دولار، لم يتم التوصل إلى خلاصات بشأنه حتى تنحية مرسي من كرسي الرئاسة، في وقت أعلن المسؤولون المصريون الجدد أن مصر ليست في حاجة ماسة، الآن على الأقل، إلى هذا القرض الذي كان من شأن تمريره حصول القاهرة على ضوء أخضر يحسن من وضعها التفاوضي مع المؤسسات المالية الدولية ليمكن مصر من الحصول على مزيد من القروض التي كانت تسعى إليها. رب ضارة نافعة، كما يقال، فتعطل قرض صندوق النقد الدولي أسهم في تخفيف عبء الديون الخارجية التي سعى لها نظام مرسي التي زادت بمعدل 11 مليار دولار خلال عام من حكمه، وكانت مرشحة للتضاعف لو سارت السياسة الاقتصادية والمالية وفق تقديرات وخطط الرئيس المعزول، فضلا عن الاقتراض الداخلي الذي زاد بمعدل 120 مليار جنيه لتصل المديونية الداخلية إلى تريليون و340 مليار جنيه مصري.
مساعدات مجلس التعاون من شأنها حلحلة الوضع الاقتصادي المتردي في مصر، ومن شأنها أيضا أن تدعم سعر صرف الجنيه الذي فقد نسبة مهمة من قيمته في عام مرسي، ورغم أنها حقنة مهمة، إلا أنها ستكون مؤقتة إذا استمرت السياسة الاقتصادية على ما هي عليه ولم تصرف في مجالها المطلوب. نعرف أن الدكتور حازم الببلاوي يعتبر واحدا من خبراء الاقتصاد، وتعيينه رئيسا لمجلس الوزراء قد يسهم في خلق أفكار وسياسات جديدة تنتشل الوضع الاقتصادي من كبوته التي يتحمل نظام حسني مبارك نسبتها الكبرى، حيث إن إبعاد حزب العدالة من السلطة قد حصل بسبب فشله في تحقيق الأمن الاقتصادي وتحسين شروط المعيشة بما يليق بمجتمع عريق ودولة محورية رئيسية في المنطقة. وإذا لم يتم توجيه المساعدات الخليجية وغير الخليجية نحو تحسين الأداء ورفع مستوى المعيشة، فإن تبخر المليارات سيكون النتيجة الطبيعية، حسب ما تؤكده التجارب العالمية التي سبقت مصر في هذا المجال.
الاستقرار السياسي والسلم الأهلي والأمن الاجتماعي، كلها عناوين واسعة أمام حكومة الببلاوي التي أدت اليمين الدستورية يوم الثلاثاء الماضي (16 يوليو)، وأمامها تحديات وصعوبات كبيرة لاستنهاض الاقتصاد الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية وتمكين المصريين من الانصراف إلى التنمية الإنسانية الشاملة. وهذه لا يمكن تحقيقها في ظل الانفلات الأمني وهروب الاستثمارات والأجور المتدنية والبطالة والفقر. فقد طالب كثير من خبراء الاقتصاد المصريين تطبيق حد أدنى للأجور ووقف التضخم وارتفاع الأسعار ومواجهة البطالة. وهذه أيضا ليست سوى مرحلة لتقويم الانحراف الشديد في التوجه الاقتصادي الذي نما خلال ثلاثين عاماً ليشكل الفئات المحدثة للنعمة التي تستميت في الدفاع عن نظام مبارك وتسعى لعودته وتتصرف بمفهوم الدولة الغنائمية تحلب عبر الدفاع عن نظام لم يسقط بعد بل سقط رأسه وبعض المحيطين به في الدائرة الضيقة، وجاء نظام مرسي ليبني على نظام اقتصادي منخور فسقط على رأسه ورأس حزب الحرية والعدالة.
يمكن فهم المساعدات الخليجية على أنها دفعة مشجعة للاقتصاد المصري، والمطلوب من العهد الجديد أن يطمئن المستثمر الأجنبي كي يعيد أمواله التي أخرجها، وإعادة النظر في قطاع السياحة الذي قتله مرسي بقوانين وإجراءات أزاحت مئات الآلاف إلى طابور البطالة فضلاً عن حرمان مصر من العملات الصعبة التي يجلبها السياح. وفوق كل ذلك العودة إلى الدولة المنتجة لغذائها: القمح.
مصر في حاجة اليوم إلى الدعم الخليجي على أرضية أن قوة مصر هي قوة للعرب..ولنا في سد النهضة الإثيوبي مثال صارخ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٩٣) صفحة (١٣) بتاريخ (١٩-٠٧-٢٠١٣)