بعيداً عن تعريفات الحوار ومصطلحاته وأهدافه ومعانيه، فإننا نجد دائماً أن لغة الحوار هي التي تدفعنا إلى الوصول لمبتغانا الحقيقي بعيداً عن الخلاف فيما بيننا، والحوار أصبح مطلباً أساسياً وضرورياً في أيامنا هذه سواء في المنزل أو المدرسة أو العمل بل حتى على المستوى الشخصي في تعاملاتنا مع الآخرين، كذلك أصبح الحوار ضرورة وحاجة ملحة ينادي بها المتخاصمون سياسياً أو فكرياً أو مذهبياً، فنحن نشاهد ونسمع ما يدور من حولنا من أحداث دامية وحروب طاحنة وقتل وسفك للدماء وتفجير، حتى أصبحنا نألف تلك المناظر المروعة عندما نشاهدها عبر الفضائيات، واعتدنا على مشاهدة وسماع مثل هذه الأخبار السيئة والموجعة حتى أننا يئسنا من سماع خبر مفرح أو خبر لاختراع مصل جديد لبعض الأمراض التي فتكت بالبشرية مثل السرطان والسكري وغيرهما.
الأحداث الدامية التي سببها الربيع العربي في بعض الدول المجاورة وما خلفته تلك الأحداث من هدر للطاقات البشرية والمادية كل ذلك يعود بسبب غياب الديمقراطية الصحيحة والصادقة، وإذا اشتد الكرب على طرف من الأطراف لجأ إلى طلب الجلوس على طاولة الحوار؛ للتحاور والتفاهم ومحاولة الخروج من تلك الأزمة بأي وسيلة ومن ثم يصبح الطرف المسيطر هو الذي يملي شروطه وغاياته مما يعثر ذلك اللجوء إلى طاولة الحوار.
ومن وجهة نظري أن اللجوء إلى الحوار بعد القتل وسفك الدماء وإحداث الدمار والهلاك قد يكون نجاحه صعباً، لأن الأنفس ما زالت تعاني من آلام الجراح ولم تتهيأ تلك الأنفس للحوار والتحاور، ولذلك لم نشاهد اجتماعاً حوارياً كُتب له النجاح التام في قراراته وتوصياته ويعود ذلك لعدم التكافؤ بين المتحاورين بسبب الخلافات القوية التي بينهم ومن هنا يتعذر نجاح الحوار بين تلك الأطراف.
وبعض شعوبنا العربية لا تمتلك الإيمان الحقيقي بالحوار سواء من أجل الوصول للحلول التوافقية أو حتى كممارسة فعلية أصيلة في تكوين الذات والشخصية العربية وينعكس ذلك مباشرة عند الحاجة الماسة للتفاهم بين القوى الاجتماعية والسياسية بل يعتبر الطرف الذي دعا للحوار هو الأضعف وأن مجرد دعوته لهذا الحوار مؤشر جدي على حرج وتدهور موقفه على الأرض، هنا نقول إن مثل هذه القناعات تعبر عن نفسها كعوامل مقاومة لقيم التعايش والسلم الاجتماعي بمجرد تعاملها مع حقيقة وأهمية الحوار بهذه الذهنية.
والحوار كصيغة تعامل وتعايش يعتبر من أساسيات التقدم والتطور وهو علامة تقدم الدول وتطورها، ونحن في هذا الوطن بدأنا بتأسيس بذرة للحوار الوطني، حيث مازلنا في أول الطريق لاستيعاب الحوار وجعله سلوكاً من سلوكيات حياتنا، فعند تأسيس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني أراد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، حفظه الله ورعاه ـ توسيع دائرة المشاركة لجميع أطياف المجتمع ومشاربه في مناقشة أغلب القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها وأن يكون ذلك على طاولة الحوار، وقد سبق الملك عبدالله -حفظه الله- كثيرين في رؤيته هذه عندما أسس مركزاً للحوار الوطني فهو أسسه قبل أن نحتاج إليه كما هو حال غيرنا، حتى أن هناك من أشاد بفكرة الحوار سواء من داخل المملكة أو من خارجها، وقد يكون ذلك هو ما ميز هذه الفكرة الجميلة التي أقدم عليها الملك عبدالله، حيث تُعد من أهم إنجازات عهده الزاهر على المستوى الفكري والثقافي.
وقد أصبح المركز الآن وبعد مرور عقد من تأسيسه منارة إشعاع في نشر ثقافة الحوار بين أطياف المجتمع من خلال البرامج المتنوعة التي تهدف إلى غرس الوسطية والاعتدال بين فئات المجتمع المتنوعة فكرياً ومذهبياً من خلال الحوار.
وهناك من ينظر إلى المركز باعتباره مؤسسة رسمية صرفه مماثلة للإدارات والمؤسسات الحكومية المعنية بالشأن الثقافي والفكري بل يرى أن المركز لم يقدم جديداً في هذا المجال منطلقاً في حكمه من تصوره الشخصي لعمل وأهداف هذه المؤسسة الوطنية وبالتالي يحاكم أنشطة المركز بناء على قراءته الشخصية وليس لنظام وأهداف المركز التي نص عليها نظامه التأسيسي، وربما بعض ممن انتقد إذا سئلوا عن أهداف ونشاطات المركز فقد يعتذرون لك عن الإجابة لأنهم لا يعلمون عن المركز شيئاً، وإنما هم ينقادون مع النقد من أجل النقد فقط.
ختاماً الحوار أصبح حاجة ملحة ومن الضروريات لنا في حياتنا اليومية، وأصبحنا بحاجة ماسة له في معالجة قضايانا السياسية والاجتماعية وغيرهما، فحري بنا أن نشجع ثقافة الحوار فيما بيننا ونفعلها حتى ولو كنا مختلفين في الرأي والفكر والمذهب، فالاختلاف لا يفسد للود قضية، ويجب أن تكون حواراتنا هي عنوان تقدمنا ورقينا، لأنه بالحوار نستطيع أن نتفاهم ونتقارب حتى وإن اختلفنا في طرحنا وتوجهاتنا ولكن لا يصل بنا المطاف إلى حد الخلاف.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٩٤) صفحة (١٤) بتاريخ (٢٠-٠٧-٢٠١٣)