أيهما يبني الآخر؟ المدرسة تبني المعرفة، أم المعرفة تبني المدرسة؟ سؤال كهذا يحتاج إلى مشروع إجابة.. فالمدرسة هي الأساس في البناء المعرفي والفكري والثقافي والاقتصادي… أقصد المدرسة التي تسعى لتحقيق أهدافها القريبة والبعيدة المدى، وذلك بتجويد أساليبها وتحسين طرائقها التعليمية والتربوية وارتكازها على تنمية مهارات التفكير، المدرسة التي نقصدها هي التي تحلق في فضاء الإبداع، أما المدرسة الخاملة فهي التي تُكرس الحفظ والتلقين مما تزيد من مركبات الجهل وأرتال التخلف.
والسؤال الذي يطرح نفسه.. ماهي المدرسة التي يُفترض أن تسهم في بناء المجتمع المعرفي؟ هل تلك المدرسة التي يتجه إليها الطلاب والطالبات بشكل روتيني ممل كل صباح؟ هل تلك التي يوجد بها معلمون ومعلمات يحرصون على حشو أذهان الدارسين بالغث والسمين وكأنها خزانات للحفظ فقط! دون وضع اعتبار لما يمتلكه الطلاب من قدرات ومواهب خلاقة يمكن الاستفادة منهم في قادم الأيام في عمليات التنمية. هل تلك المدرسة التي تُقدم مقررات دراسية ذات كم كبير من المعلومات والمعارف، ولا تُهيئ الطلاب للعمل المهني أيا كان ..ليتخرجوا بلا شيء؟
هل المدرسة بكيانها المادي قاعات، صالات، مسارح… حجرات معامل ومراكز للمعلومات؟
أين المدرسة الحلم التي يُفترض أن تقوم بهذه المهمة العظيمة والرسالة النابهة لتحقق مطلباً معرفياً وزادا فكريا؟ أين هي؟ وهل يمكن العثور عليها؟ أم تظل كالحلم الجميل والبعيد؟
المدرسة التي نتمناها تلك التي تتمكن من استثمار الإنسان بقدح طاقاته وتنمية قدراته واستثمار مواهبه وتفجير إبداعاته وتعزيزابتكاراته.
المدرسة الأمل التي تُسهم في إخراج المجتمع من ربقة الاستهلاك والاعتماد على الآخرين، إلى ميدان الإنتاج والعطاء والمنافسة الحقيقية.
المدرسة التي يُفاخر بمنتجها المجتمع سواء كان مادياً أو فكرياً..
بالتعليم تمكنت ماليزيا في أقاصي آسيا من الدخول في معترك التنافس الصناعي لتضع لنفسها موضع قدم بين الدول الصناعية، بالتعليم والتدريب تمكنت أيضا مدينة بلغنر الهندية التي يجهل كثيرون موقعها على الخريطة الجغرافية، فقد استقطبت كبريات الشركات العالمية المنتجة للإلكترونيات لتقيم على أرضها المصانع، رغم شح مواردها.
في هولندا تتمتع المؤسسات التعليمية بشخصيات مستقلة، الجهات الإشرافية تضع القواعد الخاصة بمدة الدراسة، ومستويات الإنجاز التي يجب تحقيقه تاركة للمدرسة الحرية في اختيار المقررات الدراسية التي تناسب طلابها، ولا تشترط التأهيل فقط، بل تهتم بالتخصص الدقيق لدى المعلمين باعتبارهم الركن الركين في العملية التعليمية، لهذا السبب وأسباب أخرى ارتقت هولندا سقف الدول الأوروبية في التعليم رغم ضعف إمكاناتها الاقتصادية مقارنة بالدول المجاورة لها.
للشركات الصناعية عيون واسعة تعرف أين تحل؟ وكيف تنتج؟ واختيارها لمدينة بلغنر الهندية لم يأت عفوياً بل جاء بقناعة كاملة بنجاح صناعاتها وتزايد أرباحها، وإدراكها أيضا أن النجاح هو حليف المعرفة.
لذا ضربت بأعمدة مصانعها على أديم بلغنر التي عرفت المسار الصحيح في إنتاج وتصدير المعرفة. نخلص إلى نتيجة مهمة في كون التعليم في ماليزيا وبلغنر خرج من بين الأقواس التي كبلت العقول وأضرت بالمواهب.
المسألة هنا ترتكز على العقل.. هذه الجوهرة التي أودعها الخالق عز وجل في الإنسان… العقل هو المفتاح الحقيقي للمعرفة. والسؤال المحرج كم نسبة استثمار العقل في بلدان الوطن العربي؟
من الجوانب المؤلمة حقاً وجود مدارس تعطل العقول وتئد المواهب وتغتال القدرات.
من الجوانب المهمة أن تصبح المدرسة ورشة عمل حقيقية لإنتاج المعرفة ومناخا مناسبا للإبداع ..التي هي طموح الدول النامية..
هل يتحقق الحلم وتصبح مدارسنا بيئات جيدة للتعلم؟ هل تتمكن من تطبيق الجودة، هل يمكن أن تُصبح مجتمعاتنا منتجة للمعرفة لا مستوردة؟ أسئلة كالماء لا غنى عنه؟ أسئلة تتشظى انتظارا لإجابات فعلية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٥٩٦) صفحة (١٦) بتاريخ (٢٢-٠٧-٢٠١٣)