سألني ذات مرة أحد الأصدقاء وقال لي: ما هو توجهك الفكري والديني؟ هل أنت محسوب على تيار معين؟ احترت كيف أجيبه على أسئلته لأنه فعلاً أصبحت الأمور أمامنا معقدة كثيراً، فقلت له أنا على منهج أهل السنة والجماعة الذي هو منهج نبينا محمد وصحابته الكرام، فلست جامياً ولا سرورياً ولا إخوانياً ولا ليبرالياً. فقال: من أين أتت إلينا هذه التصنيفات؟ وكيف ظهرت علينا؟ ومن هم الذين على حق؟ ومن هم الذين على باطل؟.
فكرت في حوار صاحبي كثيراً وأيقنت فعلاً أننا أصبحنا نهوى التصنيفات الفكرية والدينية وإلا لماذا نجحت في بيئتنا؟ ونحن الذين تربينا وتعلمنا على طريقة السلف الصالح دون انقسامات أو تصنيفات، وما عهد مشايخنا الأجلاء رحمهم الله (ابن حميد وابن باز وابن عثيمين والشيخ الحصين والشيخ عبدالحق الهاشمي في مكة المكرمة والشيخ محمد الأمين الشنقيطي في المدينة المنورة) إلا دليل على استقامة نهجنا وعدم السماح لأحد بتقسيم مجتمعنا لفئات ومسميات واعتقادات أبعدت أغلب فئات المجتمع عن بعضهم بعضاً، مستشعرين بذلك قول الرسول عليه أفضل الصلاة والتسليم: «لقد تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعده كتاب الله وسنة نبيكم»، وهذا النهج هو امتداد للمدرسة الأولى التي نشأ عليها أغلب أهل العلم في بلادنا وتلامذتهم من بعدهم وتمسكوا بها وعلمونا إياها ورسخوها فينا منذ الصغر.
عندها خطر في بالي تساؤل عن مدى ضرورة وجود هذه المدارس الفكرية خصوصاً ذات التوجه الديني، وهل وجودها هو شرط وجوب بمعنى أنها مكمل لمسيرة الدعوة وحركة الفكر الإسلامي، أم أنها منظومة اجتهادات بشرية يُمكن لرسالة الدين الإسلامي أن تمضي دونها، وللإجابة على هذه التساؤلات لابد لنا من تتبع مسار هذه المدارس دون إهمال طبيعة الواقع التاريخي الذي نشأت فيه.
ومن المهم القول بأن هذه التوجهات والجماعات لم تأت بتصورات أو تفسيرات جديدة للأصول الكبرى أو في مجال العقيدة والعبادات والفرائض الشرعية بل حافظت على نفس القواعد العقدية التي رسخها الكتاب والسنة، وإن كانت بعض هذه الجماعات انحازت لاجتهادات محددة لبعض الفقهاء الأوائل تحديدا في بعض المسائل داخل إطار العقيدة لكن هذا الانحياز محدود جدا وليس له تأثير واضح على الصورة العامة لهذه الجماعات والمدارس، هنا يتضح أن من الأسس التي دعت لظهور الاتجاهات الإسلامية محاولة تقديم مفاهيم إسلامية تقابل مفاهيم الضغط الفكري للواقع الذي تمثله المنظومة الحضارية الغربية التي فرضت تفسيراتها وتصوراتها على العالم مستغلة حالة القوة والتقدم التي تعيشها في مقابل ركود وكمون الحضارات الأخرى.
هنا يمكن القول إنه ليس شرطاً لأي أحد أن ينضوي تحت أي من هذه التصنيفات لأن مجال هذه التوجهات الفكرية في الغالب خارج دائرة العقيدة ويتركز في الفكر تحديداً، بل يمكن القول إن بعض مواقف وتفسيرات بعض هذه الجماعات ربما أعاق مشروع الدعوة للإسلام خصوصاً في المجتمعات الغربية التي تحكم على الإسلام كرسالة وعقيدة وفقاً لموقفها من هذه الجماعات، بالإضافة إلى أن التصنيفات الفكرية تمثل تهديداً حقيقيا للوحدة الوطنية والنسيج الاجتماعي ويوجد أمثلة وشواهد كثيرة نراها اليوم من حولنا، نعم الاختلاف رحمة بين الناس والتنوع الفكري والثقافي ينم عن تقدم المجتمعات وتطورها، ولكن تبدأ المشكلة والتعقيدات عندما يحاول كل فريق إضعاف الفريق الآخر أمام الآخرين لوضعهم في مواجهة مباشرة أمام المجتمع ومؤسساته سواء الدينية منها أو السياسية، ومن ثم يصبح ذلك الفريق في موضع دفاع عن توجهاته وآرائه ومحاولة إقناع الآخرين بصحة مواقفه، وبالتالي قد ينجح بعضهم في إبعاد المنافسين لهم عن طريق التصنيفات السلبية التي تُعد من أسهل الطرق في محاولة إضعاف الخصم والحد من آرائه الفكرية وغيرهما.
ومن المؤسف أن التقسيمات الموجودة الآن سواء ما يخص التوجه الديني أو الفكري غالبيتها تُستخدم وتوظف في إقصاء المضادين لهم ودائماً تجدهم يبحثون عن المثالب والمآخذ على منافسيهم حتى إن الأمر وصل عند بعضهم إلى التكفير والعياذ بالله أو التشكيك في الوطنية.
وكما هو معلوم لدى الجميع فإن التصنيفات الفكرية ربما تسهم في هدم المجتمعات خاصة مثل مجتمعنا الذي يغلب عليه المنهج الاعتقادي المتجرد وتعتبر التصنيفات أمراً جديدا على مشهدنا الاجتماعي والفكري ومن الممكن أن تؤثر عليه تأثيراً كبيراً من خلال تلك الآراء التي تتقاطع مع المصلحة الوطنية، ولعلنا نتذكر هنا تحذير خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- من انتشار التصنيفات الفكرية ومدى خطرها على المجتمع وذلك عندما قال: «أرى أنه لا يتناسب مع الشريعة السمحة ولا مع متطلبات الوحدة الوطنية أن يقوم بعضهم بجهل أو سوء نية بتقسيم المواطنين إلى تصنيفات ما نزل الله بها من سلطان… فهذا علماني.. وهذا ليبرالي.. وهذا منافق.. وهذا إسلامي متطرف… وغيرها من التسميات… والحقيقة هي أن الجميع مخلصون إن شاء الله ولا نشك في عقيدة أحد أو وطنية أحد حتى يثبت بالدليل أن هناك ما يدعو للشك لا سمح الله».
وختاماً وعودا على بداية المقال ومن هم الذين على حق؟ ومن هم الذين على باطل؟ أقول إن الأمر ربما أوسع من هذه الثنائية بكثير وأتمنى أن أكون أجبت على أسئلة صديقي الذي بالفعل حيرني وحير كثيرين معي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٠١) صفحة (١٤) بتاريخ (٢٧-٠٧-٢٠١٣)