تُعد الكهرباء أهم مرتكزات التنمية، بل هي سبب رخاء ورفاهية الإنسان، وهي التي أحدثت التطور والازدهار في العالم بأسره، كونها مرتبطة بكل مناحي الحياة، والبعض يؤكد أن ازدهار الوعي والفكر والثقافة العالمية سببه الكهرباء، إذا نتفق على أهميتها في التطور العلمي والصناعي والاجتماعي والثقافي، ولمّا كانت الكهرباء بهذه الأهمية، وجدت الدعم من الدولة بمقدار 50 ملياراً سنوياً، ومن المتوقع زيادة الصرف مع تشييد محطات التوليد ونشر شبكات التوزيع، مواكبة للتنامي العمراني والسكاني والصناعي والتجاري في كافة أرجاء المملكة ذات المساحة الجغرافية الواسعة، بما يتخللها من جبال شامخة وصحاري قاحلة وسهول واسعة، ومدن تتسارع في النمو الأفقي والرأسي، فضلاً عن تزايد الاستهلاك سواء على المستوى الأسري أو المؤسساتي من شركات ومصانع ومؤسسات.
ولو عدنا بالذاكرة قليلاً في كيفية تمديد الشبكة الكهربائية ونصب الأعمدة سواء خشبية أو حديدية لوجدنا أن الشركات المنفذة كان لها حرية وضع الأعمدة في أي موقع تريده حسب المخططات، مما سهَّل عليها إنجاز أعمالها في وقت قياسي، ولم يتوقف المنجز عند هذا الحد، فالمتوقع زيادة الإنفاق على الكهرباء حسب ما تشير له الإحصاءات الرقمية.
وفي منطقة الباحة ذات الطبيعة الجغرافية المتنوعة، أنشأت الشركة أعمدتها على سفوح الجبال، وفي المدرجات الزراعية حسب مسار التمديدات وما كان للأهالي إلاَّ الإنصات لتوجيهات الدولة من منطلق عدم عرقلة المشروع الكهربائي الضخم الذي يربط كافة مناطق المملكة، ولكون الكهرباء أهم خدمة يحتاجها المواطن بعد أن كان يعتمد السكان على شركات أهلية صغيرة لا تفي بالغرض، وبعد مضي ثلاثة عقود امتد العمران إلى تلك المواقع التي كانت في يوم من الأيام بعيدة، نتيجة التزايد السكاني والاحتياج إلى مساكن، مما دفع الأهالي إلى ضرورة الاستفادة من أملاكهم الخاصة التي تثبتها الصكوك الشرعية، ووجدوا صعوبة بالغة في إجراءات نقل تلك الأعمدة، حيث ترفض شركة الكهرباء نقلها وإزاحتها من ممتلكاتهم الخاصة إلى مواقع أخرى إلا بعد أن يدفع المواطن مبالغ مالية ضخمة في سبيل نقل عمود واحد، فكيف يكون الحال لو أن هناك أكثر من عمود في ممتلكاته، ولما كانت الدولة تدعم شركات الكهرباء بسخاء وبمليارات الريالات كان من الواجب على الشركة أن تقف مع المواطن، لا أن تقف ضده وأن تتسامح وتتعاون خصوصاً وأنها استفادت لسنوات لقاء وضع تلك الأعمدة في ممتلكات لا تخصها، أما أن يزداد الحمل المالي على المواطن فتلك مشقة كبيرة على كثيرين، مما جعلهم ينظرون إلى أراضيهم وتلك الأعمدة بعين الحسرة والألم، حيث تقف عائقاً دون تمكنهم من الاستفادة منها ببناء مساكن عليها، ولا شك أن الكهرباء هي الخدمة المهمة لأي مواطن، إلا أن شركات الكهرباء تزيد من خسائر المواطنين في الوقت الذي تجد الدعم الضخم من الدولة، المأمول أن تتعاون مع المواطنين وتُسهل احتياجاتهم وتحقق مطالبهم، فمن أجلهم شُيدت محطات التوليد والتوزيع، وما الشركة إلا وسيط لتقديم تلك الخدمة وبجودة عالية.
بقي شيء مهم في كون الكهرباء خدمة في غاية الأهمية تحتاج إلى تعامل واعٍ من الجميع بالترشيد في استخدام الطاقة، خصوصاً أنه لا توجد لدينا مساقط مائية تخفِّف الوطء وتُساعد على إنتاج الطاقة الكهربائية. إلى جانب الظروف المناخية القاسية التي تحتم زيادة الاستهلاك في فصل الصيف، مما يستدعى التوازن المنطقي بين الاحتياج والاستهلاك.
ومضة: التنمية لا تقوم بشكل يحقق لها التوازن إلا على جانبين، هما تنمية الوعي الحضاري أولاً، و تأتي بعده التنمية المادية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٠٧) صفحة (١٤) بتاريخ (٠٢-٠٨-٢٠١٣)