لاشك أن صناع القرار الإيرانيين كانوا في وضع لايحسدون عليه في خيارات الرئيس الإيراني الذي سيعقب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، لمواجهة حزمة من الأزمات والإشكالات التي تعاني منها إيران. وكان انتخاب الدكتور الشيخ حسن روحاني رئيسا لإيران في الدورة الانتخابية الجديدة التي تستمر أربع سنوات ابتداء من أغسطس الجاري، قد شكل مفاجأة لعدة أسباب منها: الفوز من المرحلة الأولى لمرشح كان مغمورا ولم يجر تداول اسمه في المنافسات الأولى حتى تدحرج الحظ ليكون مرشحا قاسما بين الإصلاحيين والمعتدلين ليحقق روحاني فوزه بأغلبية ضئيلة زادت عن نسبة الـ50% بقليل. كما أن طهران التي تتوجع من العقوبات الاقتصادية والمالية التي فرضت عليها على خلفية إصرارها على المضي قدما في تخصيب اليورانيوم لنسب تمكنها من الاعتماد الذاتي لتطوير صناعاتها في هذا الحقل الذي تجده الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خطرا على السلم العالمي. إيران تجد نفسها اليوم في حصار قد لاتكون لديها الإمكانيات المحلية لتفكيك الأزمات المتراكمة للانطلاق في تنمية تعاني من أزمات مستفحلة وتحتاج إلى سياسة غير تلك التي نفذها الرئيس السابق على مدى 8 سنوات.
الرئيس روحاني يعتبر سابع رئيس لإيران، يصنف ضمن المعتدلين وليس من الإصلاحيين، وهو حائز على شهادة الدكتوراه في القانون من جامعة (غلاسكو بأسكتلندا)، ويتحدث ست لغات بطلاقة، وكان مسؤولا عن الملف النووي إبان ولاية الرئيس الأسبق محمد خاتمي، لكنه وبخ بسبب مواقفه المرنة من عملية التفتيش التي طلبتها وكالة الطاقة الدولية على المنشآت النووية الإيرانية حتى تم عزله في عهد الرئيس نجاد. ويعرف روحاني نفسه من خلال التصريحات التي أدلى بها منذ انتخابه رئيسا، حيث أكد أن «الاعتدال من سمات الثقافة الإيرانية التي يجب تطبيقها في كل المجالات التنفيذية». ويرى أن «إنقاذ الاقتصاد الإيراني يتطلب التعامل بإيجابية مع الأسرة الدولية».
شكلت تصريحات روحاني في خطها العام محاولة لجس نبض العواصم الكبرى إزاء العلاقة مع طهران الحائرة بين ملفات عدة: الأول تحالفاتها الخارجية وخصوصا مع النظام السوري الذي يتلقى دعما متوسطه سبعة مليارات دولار سنويا في حده الأدنى، بينما عين المسؤولين الجدد على واقع الاقتصاد الوطني الذي يعاني من تآكل بسبب الحصار. لذلك كان روحاني البراغماتي يدرك الحالة المعيشية التي وصل اليها الشعب الإيراني خصوصا أولئك الذين أوصلوه إلى كرسي الرئاسة، ولذلك لم يتردد في القول إن «أولوية الحكومة تتركز في تحسين معيشة الشعب الإيراني والعمل على تعزيز المكانة الدولية لإيران استنادا إلى مصالحها، وإزالة العقوبات الظالمة المفروضة عليها». بل يذهب الرئيس الجديد بعيدا عن سياسة سلفه نجاد عندما يصرح بضرورة «إزالة البغض والعداوة وإرساء الصداقة من أجل تسطير ملاحم الرحمة في الإسلام وعقلانية إيران وسماحة ثورتها وعطف نظامها»، وهو في هذا الجانب لم يستبعد تفاوضا مع الولايات المتحدة لحل أزمة الملف النووي الذي يشكل المعضلة الرئيسة، حاليا على الأقل، في العلاقة مع الدول الغربية وهو السبب الظاهر في مسألة الحصار وتداعياتها على الاقتصاد المحلي. هذا الاقتصاد يعاني منذ عدة سنوات ولم تفلح جرعات الموازنات السنوية من تخفيف العبء على المواطن العادي.
في نهاية العام 2002 قدم الرئيس الأسبق محمد خاتمي موازنة حجمها 107 مليارات دولار، أعلن خلالها أنها ستركز على حل أزمة البطالة التي كانت تقدرها الأوساط الرسمية بـ16%، لكن حقيقة الأرقام تفيد أن الموازنة هي 35 مليار دولار، بينما باقي المخصصات ستذهب إلى مصارف الدولة ومؤسساتها لدعم التوجه نحو عمليات خصخصتها، وكان التضخم حينها لايزيد على 13%، وهي نسبة كبيرة لأي اقتصاد طبيعي، كما زاد الإنفاق العام في تلك الموازنة بنسبة 20% لوقف التدهور الحاصل في الوضع المجتمعي. تلك الموازنة لم تفلح في وقف التدهور الاقتصادي. فبعد أكثر من عشر سنوات، أي في فبراير 2013 قدمت حكومة نجاد مشروع الموازنة العامة التي تصل إلى نحو 190 مليار دولار، بزيادة قدرها نحو 46% عن السنة التي سبقتها، إلا أن القيمة الحقيقية لتلك الموازنة تعتبر انكماشا بسبب تدهور سعر صرف العملة المحلية التي فقدت 75% من سعر صرفها أمام الدولار الأمريكي عند المقارنة بين الموازنة هذه والموازنة التي سبقتها. ويصل معدل التضخم اليوم نسبة تقترب من 36%حسب التقديرات الرسمية، بينما هي أكبر لدى التقديرات الدولية والمؤسسات المتخصصة، بينما تبلغ بطالة الشباب رسميا 26.3%، في حين يقدرها مسؤول إيراني سابق في منظمة العمل الدولية أنها تلامس 50% وسط الشباب. وهي نسبة خطرة على أي مجتمع ينشد الاستقرار والتنمية المستدامة. هذه النسبة قادت حكومة الرئيس السابق إلى اعتبار أن من يعمل ساعة في أسبوع خارج إطار البطالة، وقد أعلن نجاد أنه وفر 1.6 مليون وظيفة في 2011 وأنه يسعى لتوفير 2.5 مليون وظيفة في 2012. وتعتبر هذه الحسبة هروبا من استحقاقات توظيف الشباب الذين يواجهون مصاعب في الحصول على عمل، في ظل تردي الوضع الاقتصادي القائم.
في هذه الأثناء، تبرز نتائج الحصار الاقتصادي والمالي، عندما أعلن البنك الدولي عن اعتبار ديونه لإيران أنها ديون متعثرة، ما يعني عدم قدرة طهران على الاقتراض من المؤسسات المالية الدولية. وقد جاء هذا القرار بعد أن تعذر على طهران دفع ديونها للبنك والبالغة نحو 700 مليون دولار منها أقساط متأخرة تبلغ 79 مليون دولار، كان يفترض أن تدفعها طهران في شهر يونيو الماضي، لكن طهران تنفي عدم قدرتها على السداد وترى في عدم ترك نافذة للدفع هي السبب حيث وضعت مؤسساتها المالية بما فيها البنك المركزي في القائمة السوداء. بالمقابل أدت العقوبات إلى تراجع عائدات إيران من النفط بمعدل النصف، أي ما يتراوح بين 50 مليارا إلى 60 مليار دولار. رغم ذلك تسعى إيران إلى زيادة عائداتها بمقدار يتراوح ما بين 20 الى 25 مليار دولار بصفقات تصدير الغاز وخصوصا إلى أفغانستان والعراق.
وفي ظل هذه المعطيات تثار أسئلة كبرى في كل من طهران والعواصم الغربية إزاء التوجه الإيراني في عصر الرئيس روحاني والمتعلق بالملف النووي من جهة وعلاقة طهران بدول الجوار من جهة أخرى. ويبدو أن هذه الأزمة هي المفتاح الذي من شأنه معالجة الأزمة الاقتصادية ووقف التدهور في العملة المحلية والتضخم والبطالة. وهنا تبرز التحديات أمام الرئيس الجديد الذي عبد الطريق بتصريحات مطمئنة نسبيا إلى كل من يعنيه الأمر، لكنه يحتاج إلى رافعة عملاقة تنقذ الاقتصاد الوطني من الانهيار.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦١٤) صفحة (١١) بتاريخ (٠٩-٠٨-٢٠١٣)