أربع ركائز مهمة وأساسية تساعد على تحقيق التنمية لأي مجتمع من مجتمعات الدنيا وهي العقل والمال والإمكانات والتمكن.
العقل جوهرة أودعها الخالق عز وجل في الإنسان فمن خلاله يستطيع الإنسان التدبر والتفكر والتخطيط والتنفيذ والتطوير ومن ثم الابتكار والاختراع. والمال يعتبر عصب الحياة، وأي دولة في العالم لا ينهض اقتصادها دون وجود المال، سواء من مردود الصناعات أو الثروات بأنواعها زراعية، حيوانية، معدنية، معلوماتية، تقنية.
أما الإمكانات فهي ذات علاقة بالركيزتين السابقتين وممتزجة بهما ولا يمكن الاستفادة من الثروات سواء كانت بشرية أو طبيعية وبشكل يحقق فائدة كبيرة دون التمكن الذي يعتبر الأساس في نهضة أي أمة وتقدمها، والتمكن له علاقة مباشرة باستثمار العقول وقدرات التفكير، ولا يمكن تحسين درجات التفكير دون تعليم نابه ومتطور. وهذا الذي أحدث التفاوت والبون الشاسع بين بلدان العالم من حيث المستوى الصناعي والتقني والمعرفي، والصناعي، والاقتصادي. وإذا جئنا أيضا على مستوى الأقاليم الأصغر ونأخذ منطقة الباحة كنموذج لوجدناها تمتلك بعضا من تلك الركائز فمن حيث الإمكانات فطبيعتها الجغرافية تؤهلها لأن تكون الأجمل من بين مناطق المملكة يوجد بها ما يزيد عن أربعين غابة، بمعنى أن منطقة الباحة عبارة عن حديقة كبيرة. وجمال الطبيعة هبة ربانية منحها الخالق وتتمثل في الغابات دائمة الخضرة والجبال الشامخة والمناخ المناسب والنباتات المتنوعة حيث سجلت بعض الدراسات وجود أعلى نسبة نباتات في منطقة الباحة كما تتوفر بها المعادن، فضلا عن الموروثات الثقافية بنوعيها المادية وغير المادية كالمباني القديمة، الآثار، الحصون، الصناعات اليدوية، الأكلات الشعبية وغير المادية كالثقافة الشفاهية من رقصات وفلكلور وحكايات وغيرها.
إنسان الباحة لديه القدرات الفائقة في التعاطي مع الجوانب الحضارية إذ حظي بالتعليم من وقت مبكر وانتشرت المدارس بنين وبنات وبها الآن منارة علمية سامقة (جامعة الباحة) التي يُعول عليها في البناء المعرفي للإنسان، والمال له رافدان الأول من الدولة بما تقدمه من دعم سخي في إنجاز كثير من المشاريع الحيوية، أما الرافد الآخر والمهم أيضا فهو وجود كثير من رجال الأعمال سواء في داخل المنطقة أو خارجها القادرين على رفد المشاريع التي يتحقق منها منافع للناس.
إذاً دخلت الباحة منعطفا مهما في مسار التنمية إلا أن هناك عوامل تُبطئ من نموها أولا: عدم وجود رؤية سياحية واضحة وموحدة ومتناغمة على مستوى المصالح الحكومية من أجل تطوير وتحسين وتصنيع السياحة على اعتبار السياحة هي الوظيفة الأولى بعد أن تراجعت الوظيفة الأساسية وهي الزراعة التي يمكن توظيفها أي الزراعة لصالح السياحة كما فعل بعض المواطنين باستزراع أشجار الزيتون وتحويل سفوح الجبال إلى مساحات خضراء تبهج النظر، وحتى نتجاوز هذه المشكلة فلابد أن تعمل كل إدارة حكومية رؤيتها لما بعد عشر سنوات لخدمة السياحة مع ضرورة تناغم الخطط لتتولى هيئة ذات كفاءة عالية وضع استراتيجية لتطوير سياحة المنطقة. الجانب الآخر ضرورة التوازن في إقامة المشاريع السياحية بين القطاعين العام والخاص ولا يتأتى إلا بتقديم التسهيلات وهذا ما أعلنه أمير المنطقة في ندوة متخصصة عن وجود فرص استثمارية مع تذليل جميع الصعوبات وهي فرصة رائعة لرجال الأعمال.
ونظرا لبروز الوظيفة السياحية بوصفها صناعة بكل ما تعنيه من دلالات، والشواهد ماثلة أمام ناظرينا في تلك الدول التي استفادت اقتصاديا من المردود المالي والعوائد الضخمة من السياحة لدرجة أن البعض يطلق على السياحة عملاق القرن الحالي، فإن الباحة مقبلة على مرحلة مزدهرة ومبشرة بالخير متى تضافرت الجهود من جميع الأطراف كالجهات الخدمية والمواطنين، ورجال الأعمال.
وسؤال حيوي هل تستطيع الباحة أن تحقق تنمية متوازنة في كافة الجوانب الحياتية؟ لتستمر عجلة التنمية تندفع نحو الأمام باستثمار الثروات المتوفرة بها، مع تحفيز الطاقات البشرية لتصبح نجمة وسنى على قمم السراة ووردة تضوع عطرا في تهامة وأغصان شيح متمايسة في البادية لتكون مقصدا سياحيا لأبناء المملكة ودول الخليج العربي، هذا الذي ننتظره ونتمناه ونحلم به.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦١٧) صفحة (١٠) بتاريخ (١٢-٠٨-٢٠١٣)