يتعلق العرب عبر التاريخ والحاضر بخُلق الكرم؛ لأن له مزية خاصة في تراثهم وأخلاقهم، ومن ذلك فإنهم درجوا على وصف الرجل الكريم المعطاء منهم بأن «فلاناً مثل هداج تيماء»، كناية عن كرمه وعطائه المستمرين بغض النظر عن قدرته المادية.
إن موضوع هذا المقال لا يدور حول الحديث عن السخاء والكرم وهما صفتان يُجلَّهما اللهُ ورسولهُ، ولهما مكانة عظيمة في الإسلام وعند العرب خاصة، بل سأتطرَّق في حديثي عبر هذا المقال عن رمزية المعالم التاريخية في بلادنا ومنها: «بئر هداج تيماء» بوصفها رمزاً ودلالة على أهمية التاريخ وتأثيراته على علاقة الإنسان بوطنه، تقع هذه البئر في وسط مدينة تيماء الواقعة في الشمال الغربي من المملكة والتابعة لمنطقة تبوك، هذا الموقع الأثري المهم له دلالات كبيرة في نفوس العارفين بالتاريخ والآثار؛ حيث تُعد هذه البئر الوحيدة التي بنيت منذ أربعة آلاف سنة ومازالت قائمة حتى الآن ومن المعروف أن الذي بنى هذه البئر هو الملك البابلي (نابونيد)؛ حيث تُعد من أهم المعالم الحضارية القائمة حتى الآن في العالم.
كما تُعد معلماً بارزاً في وطننا، فهي من أشهر الآبار في الجزيرة العربية على مر تاريخها؛ حيث يُطلق عليها اسم «شيخ الجوية»، أي: شيخ الآبار؛ لكثرة مائها وغزارتها، ونظراً لاتساع البئر فقد كان يُسنى عليها بسبعة وسبعين جملاً في آن واحد؛ إذ يبلغ محيط فوهتها خمسة وتسيعن متراً، وكانت القبائل العربية عند رحيلها تجعل وجهتها عبر طريق هذه البئر المشهورة وتفد إليها وتسقي منها الإبل والماشية وتحمل معها ما تستطيع حمله من الماء ليكفيها عدة أيام.
وقد زار مدينة تيماء عديد من الرحالة، منهم عبدالله فلبي سنة 1369 هـ – 1950م وأشار إلى هذه البئر والتقط صوراً فوتوجرافية لها، حيث تُعد من أهم الصور الفوتوغرافية التي وضحت المعالم القديمة للبئر وكيفية سحب المياه منها عن طريق الإبل.
هذا المَعلم الشهير من معالم وطننا الذي شهد عصوراً كثيرة قبل الإسلام وبعده يدفع الإنسان عند الوقوف قربه إلى تخيل تلك الأمم السابقة دالت ثم زالت، وكيف كانت تتسابق إلى هذا المورد العظيم، ويضم هذا التراث العظيم في حياته أخبار الزمان الماضي حلوها ومرها، جميلها ومآسيها، ولايزال شامخاً حتى وقتنا الحاضر يُسجل في سجلاته تاريخنا المعاصر.
وقد ورد ذكر هذه البئر في الشعر العربي كثيراً ومنها ما قاله حاكم تيماء السموْءَل في القرن الخامس الميلادي عندما فاخر ببئر تيماء وحصنها:
بنى لي عادياء حصناً حصيناً
وعيناً كلما شئت استقيت
ويقول أيضاً الشاعر الأمير محمد الأحمد السديري:
وعيني لعل الله يعجل بفَرجها
تفوح ناظرها كما عين هداج
وهناك كثير من الآثار الحضارية الشاخصة على امتداد مملكتنا التي تشعرنا بالاعتزاز والفخر مثل: طرق القوافل التجارية القديمة التي هي في أصلها تحالف حضاري بين شعوب متعددة آنذاك؛ فطريق الحرير القادم من جنوب المملكة إلى شمالها، وطريق البخور القادم من أرض الأحقاف والشحر مروراً بوادي القرى الذي كانت تتحكم فيها دولة الأنباط متجهاً شمالاً، وطرق الحاج التي استخدمت الطريق القديمة نفسها، مثل: (طريق الحاج البصري – وطريق الحاج اليمني – وطريق الحاج المصري- وطريق الحاج الشامي)، وآثار هذه الطرق مازالت موجودة حتى وقتنا الحاضر.
ومن ثَمَّ تأتي أهمية الممالك الحضارية التي قامت في الجزيرة العربية، مثل: مملكة «كندة» في الفاو، ومملكة «دادان» في العلا التي حكمها اللحيانيون، ثم جاء من بعدهم «الأنباط» في مدائن صالح التي كانت مملكة ثمودية في الأصل، وكذلك «الأخدود» في منطقة نجران التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، فالمعالم الأثرية الأخرى الموجودة في وطننا كثيرة، منها كالأسواق أهمها: سوق عكاظ التي لم تكن سوقاً للبيع والشراء فحسب، وإنما كانت محطة التقاء حضاري ثقافي، وتقام هذه السوق في كل عام في موقعها الأثري الحالي نفسه قرب محافظة الطائف لإعادة إحياء ذكرى هذه السوق التي كانت سوقاً عظيمة أيام الجاهلية. أما آثار شعراء العرب القدامى وخصوصاً أصحاب المعلقات كامرئ القيس والأعشى وغيرهم من الشعراء، فإن البحث في أماكنهم وأين ولدوا وأين ماتوا، وتقصي وتحقيق الأماكن التي ذكروها في معلقاتهم وأشعارهم يُعد في غاية الأهمية وجميع هذه الأشياء تُثير روح الانتماء لدى أي مواطن، كما تفعل الشعوب الأخرى عبر إبرازها لآثارها والاهتمام بكل مكوناتها الأثرية والإنسانية والاجتماعية (الإنثروبولوجيا).
ولك أن تتصوَّر عزيزي القارئ أن كل هذا السجل الأثري والتاريخي في بلادنا وعلى الرغم من ذلك لم يُخدم هذا المجال بما يستحق ولم يُعط حقه من الدراسات التاريخية أو دراسات علم «الإنثروبولوجيا» القديم التي يمكن من خلالها إثراء الحالة الحضارية الوطنية لبلادنا حيث يترتب عليها إيجاد شعور عميق بالاعتزاز وهو من أهم العناصر المغذية لشعور ومسؤولية الانتماء لنا ولأجيالنا القادمة.
ربما يستغرب القارئ الكريم حين يلاحظ تركيزي على التاريخ بمفهومه الشمولي الجامع وعلاقته بالواقع اليوم، بل إنني أعترف أنني أتجاوز ذلك إلى ربط تأسيس المستقبل على عوامل وعناصر تاريخية، والقضية هنا ليست انحيازاً للتاريخ بحكم اهتمامي وتخصصي فقط، بل لحسرة في النفس على إهمال هذا العلم العظيم في الوقت الذي نرى فيه المجتمع الأوروبي مثلاً نموذجاً لتوظيف التاريخ توظيفاً سليماً وإيجابياً في بناء الحضارة الغربية اليوم ليس في الثقافة والنهضة والعلوم فحسب، بل تجاوز ذلك إلى استخدام التاريخ بشقيه الأهم (الآثار) في ربط الفرد بوطنه ومجتمعه من خلال علاقة عكسية متكاملة مجالها عناية الإنسان بالآثار والاعتزاز بها بحيث أصبحت من خصائص الشخصية الوطنية، بل ساهمت في تشكيل علاقة الانتماء داخل تلك المجتمعات.
ختاماً أقول: كيف كان لأجدادنا هذا الحس التاريخي العظيم بحيث يستنبطون من التاريخ والآثار سمات وألقاباً وصفات للإنسان وهذا ربط ثقافي راقٍ بين الفرد وتاريخه وبيئته أليس هذا دليلاً على أن للآثار مساهمة فعلية في تشكيل هوية الإنسان واعتزازه بوطنه وتاريخه المجيد الذي بناه الأجداد بجدهم وكدهم وتضحياتهم في سبيل وطنهم.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٢٩) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٤-٠٨-٢٠١٣)