تتداول وسائل التواصل الاجتماعي نكتة تصنَّف ضمن الكوميديا السوداء، تعبر عن الحالة الدموية التي بلغها العراق في ظل انسداد الأفق السياسي بعد أكثر من عشر سنوات على سقوط النظام السابق بالدبابات الأمريكية. تقول النكتة «إن مسلحين نصبوا حاجزاً على إحدى طرقات ضواحي بغداد وأوقفوا حافلة للركاب وطلبوا من المنتمين للطائفة السنية الكريمة النزول من الحافلة وحين فعلوا أطلقوا الرصاص عليهم وأردوهم قتلى في لمح البصر. ثم طلبوا من المنتمين للطائفة الشيعية الكريمة أن ينزلوا أيضاً وكان مصيرهم نفس مصير إخوتهم السنة، حيث حشا المسلحون بيت النار بالرصاص وأفرغوه في رؤوسهم وقضوا عليهم جميعاً. التفت أحد المسلحين إلى الحافلة فوجد راكباً مرعوباً، سأله المسلح: ليش ما نزلت؟ أجابه الراكب: أنا مسيحي. رد المسلح ولماذا لم تُسلم؟.. انزل من الحافلة، وبينما هو يهمُّ بالنزول عاجله المسلح بطلقة في رأسه أردته قتيلاً مع إخوته السنة والشيعة. قضى المسلحون على كل من كان في الحافلة بما فيهم السائق الذي لم يسألوه عن دينه أو مذهبه».
ما يجري في العراق اليوم هو عبث الحقد الأعمى على كل ما هو عراقي بدءاً من البشر الذين يسقطون يومياً ضحايا بالعشرات دون أن يعرف أحد منهم بأي ذنب قتل سوى أنه عراقي، فضلاً عن تدمير البنى التحتية في مختلف المناطق بما فيها أنابيب النفط التي أصبحت هدفاً سهلاً في ضوء تضعضع الدولة المركزية وعدم قدرتها على حماية المواطن والممتلكات العامة والخاصة. تُشكِّل عائدات النفط نحو 95% من الدخل القومي في الموازنة العامة، وضَرْبه يزيد من الضعف الذي بلغته الدولة المركزية بسبب الدستور الذي فُرض على العراقيين من جهة، والفشل في مواجهة استحقاقات وتبعات سقوط النظام السابق من جهة أخرى، ناهيك عن الفساد الذي يضرب في مختلف القطاعات حتى أصبحت الموازنة والمال العام «عِزَباً» خاصة للمليشيات والفاسدين والمتنفِّذين الذين يقودون العراق إلى دمار شامل لا يقل عن التدمير الذي تعرض له في حروبه السابقة.
لم يعد المشهد العراقي بحاجة اليوم إلى مجهر يبحث من خلاله المراقبون عن أسباب الأزمة ومآلاتها، ذلك أن جنون التدمير بلغ أوجه في الأسابيع القليلة الماضية وشمل أغلب المناطق، اللهم إلا إقليم كردستان الذي لا يزال بعيداً نوعاً ما عن السيارات المفخخة والعمليات الانتحارية، وهو لن يكون في منأى إذا استمر الوضع الأمني منفلتاً، وإذا لم تتمكن النخب السياسية من الوصول إلى تفاهمات واضحة على مستقبل البلاد.
لقد تحولت أغلب النخب السياسية المتنفذة إلى أمراء حرب يستنزفون ثروات العراق بشتى الطرق، وبذلك لم يعد هذا البلد الغني بنفطه، الذي ينتج أكثر من ثلاثة ملايين برميل يومياً، قادراً على إيقاف دوامة العنف، التي يمكن فهم جزء من أسبابها من خلال معرفة حجم الفساد وتسرُّب الموازنة العامة، التي تفقد نحو 10 مليارات دولار سنوياً، ما جعل العراق يتبوأ قمة قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم بعد الصومال وميامار، بينما تستنزف الديون الخارجية جزءاً آخر من الموازنة العامة، حيث تقدر هذه الديون ما بين 57 إلى 80 مليار دولار، وذلك بعد خصم 80% من الديون الخارجية المحتسبة على النظام السابق.
ربما يقدم النظام القائم تبريرات كثيرة لحالة الانهيار في الوضع السياسي العراقي ومعه الوضع الاقتصادي المأزوم، لكنه لا يستطيع الدفاع عن الحالة القائمة نظراً لمسؤوليته الكبرى في الوصول إلى ما وصل إليه العراق. نعم هناك من يريد جر العراق إلى حرب طاحنة لا تبقي ولا تذر، فالتكفيريون وأصحاب نظرية الفرقة الناجية وجدوا في ضعف الدولة المركزية والفساد الذي يضربها في العصب طريقاً معبَّداً للخراب والتدمير وقتل الأبرياء، لكن هذا الطريق يمكن سده بموانع حقيقية عندما تبدأ النخب السياسية الخروج من معادلة المحاصصة الطائفية والمذهبية وتبدأ طريق الديمقراطية الذي يشكل صمام الأمان للدولة المدنية الحديثة التي أساسها المواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية ومعالجة الأزمات المعيشية للمواطن العراقي كأزمة الأمن والبطالة والإسكان والكهرباء والمياه.
حال العراق اليوم هو أشد وطأة من أيام الحصار، وشبح التفتيت ينتصب مع استمرار الأزمة في سوريا؛ حيث لا منافذ حقيقية للحل السياسي، بل استمرار تدمير كل ما هو قائم بما فيه البشر، والشروع في تنفيذ المحاصصات يعني خروج العراق من دائرة الفعل وامتداد الأزمة إلى دول الجوار الأخرى، ما يعني حقبة أخرى من حمامات الدم والتدمير تحت يافطات عدة يأتي على رأسها الهروب إلى المذهب والطائفة والقبيلة بدلاً من الدولة المتآكلة التي تحتضر. وهذا يعني أن على المنطقة أن تتهيأ لدفع فواتير جديدة نتيجة للاستحقاقات والتبعات التي خلَّفتها السياسات غير المتزنة والخارجة من عقالها والباحثة عن مأوى تفتيتي جديد لن يقيها شر الانهيارات الكبرى.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٢٩) صفحة (١٢) بتاريخ (٢٤-٠٨-٢٠١٣)