خلال العشر السنوات الماضية ومركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني يؤدي دوره في إشاعة روح الحوار على اعتبار أنه قيمة معرفية وأخلاقية وحقيقة مرتبطة بالتفاعل الإنساني تحتاجها المجتمعات سواء كانت متحضرة أم نامية، وقام المركز بتنظيم كثير من البرامج واللقاءات والدورات التدريبية في مفاهيم الحوار وآدابه وأهدافه ومجالاته وأساليبه التي بدورها ساهمت في رفع مستوى الوعى الحواري لمختلف شرائح المجتمع ولبى طموحات المواطنين وكرس أهميته في توثيق اللحمة الوطنية ونبه إلى خطورة التفكك والتباعد مع الإدراك بوجود تنوع فكري مذهبي وتعدد قبلي، ودعا إلى مناقشة وتحليل القضايا بشكل مهني وقد فتحت جملة النشاطات والأعمال فضاء رحبا ووسعت دائرة الحوار وهيأت فرصا للحياة الكريمة المستقرة وحذرت من أسلوب الإقصاء والرؤية الأحادية. وبما أننا جزء من العالم نؤثر ونتأثر بما حولنا كان لابد من تكريس الحوار كسلوك حضاري سيما وأن ديننا الإسلامي يحث على الحوار ووردت آيات قرآنية كريمة تدلل على ذلك ومنها حوار الخالق عز وجل مع إبليس، حوار أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام مع قومه، حوار خاتم الأنبياء مع قريش، فالدين الإسلامي يشجع على الحوار ويدعو له.
وتزامن تأسيس المركز مع التحولات الثقافية والحضارية التي يشهدها العالم بأسره، وكذلك التنامي والتطور الإعلامي الذي قلّص المسافات وأذاب الفروقات وأصبح «أي الإعلام» يخالطنا في كل دقائق حياتنا شئنا أم أبينا، بل يكاد يتجذر حتى من مسامات جلودنا.
وإذا راجعنا ملفات إنجاز المركز خلال السنوات الماضية لوجدناها جيدة إلا أن الاستمرار في مقبل الأيام بذات الرتم أظن أنه لا يتناسب ومعطيات الحياة حيث سيل المعلومات المتدفق عبر وسائل الإعلام وخصوصا الحديث، فتلك الجلسات الحوارية التي كانت تُعقد في إحدى القاعات الباردة لم تعد ذات جدوى وليست ذات قيمة معرفية حاليا مع الانفتاح الإعلامي المهول، إذ لابد أن ينهج المركز أسلوبا يتناغم وروح الإعلام المنفتح والمؤثروالمتوفر لكل فرد، سيما وأن السعوديين سجلوا أعلى نسبة نمو عالميا من حيث عدد مستخدمي موقع تويتر على شبكة الإنترنت حسب تقرير(جلو بال ويت انديكس) وارتفعت نسبة السعوديين الذين يزورون مواقع التواصل الاجتماعي وبانتظام إلى 51% كما أنهم يعتمدون عليه كأداة للاتصال الجمعي والتعبير عن الرأي وكذا الحصول على المعلومة، أما نسبة مستخدمي خدمة تويتر فقد تجاوز السعوديون ثلاثة ملايين حيث ينشرون وبشكل يومي ما يزيد عن مليون وخمسمائة ألف رسالة لو جُمعت في ملفات لشكلت مجلدات ضخمة وهي نتاج يوم واحد فقط بصرف النظر عن مضامينها فهي لا تخلو من حوارات رياضية دينية سياسية ثقافية اجتماعية وزيادة على ذلك ضخامة إقبال السعوديين على مشاهدة مواقع اليوتيوب وتطبيق الهواتف الذكية.
إذاً مركز الملك عبدالعزيز أمام منعطف مهم وتحول كبير لابد أن يواكب المتغيرات أو يصبح في منأى عن تحقيق أهدافه بمعنى أن تلك الجلسات في الغرف المكيفة لم تعد مناسبة وأظن المشاركة عبر مواقع التواصل الاجتماعي مهم للغاية سواء بإنشاء موقع تفاعلي وطني يتم التحاور من خلاله بمشاركة جميع أطياف المجتمع وصولا إلى بعض أهدافه ومن بينها اجتثاث مخالب الغلو وتحقيق حرية عالية في التعبير بأسلوب عقلاني وتكريس الوحدة الوطنية وقبول الآخر وتنمية ثقافة التسامح. ومن الضرورة بمكان الاستفادة من قدرات وطاقات الشباب في هذا الشأن بالمشاركه الفعلية مع الهيئة الإدارية لمركز الملك عبدالعزيز لأنهم الأقدر والأجدر في طرح القضايا التي تلامس اهتماماتهم وتتماهى مع أحلامهم.
تقوم المملكة بدور طليعي بالتعامل السريع والفعال مع التحديات الفكرية التي تواجه العالم الإسلامي استشرافا لمستقبل بهي ولكونها حاضنة لبقاع مقدسة ومن على أرضها انطلق نور الإسلام. وهذا الذي يحتم لمضاعفة الدور تناغما مع مستجدات الحياة المتسارعة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٣٠) صفحة (١٢) بتاريخ (٢٥-٠٨-٢٠١٣)