نصوصٌ تُنشر أسبوعياً، من «يوميات بيت هاينريش بول» التي كتبها الشاعر أثناء إقامته الأدبية، بمنحة من مؤسسة «هاينريش بول» في ألمانيا.

الكثير في وحدته

* كونشيرتو الآلة الكاتبة

تحت نافذةِ غرفتِكَ، الموصدة منذ غادرتَها،
أقفُ، على أصابع القدمين،
أصغي للرَّقن الرتيب
فيما تَخُطُّ نصوصَكَ
على طابعة من صنع عام 1957
ينساب كونشيرتو آلتك الكاتبة
فأقرأُ صوتَ الكلمات
وألمحُ من زجاج النافذة
كائناتِ مكتبتكَ الصابرة
كلما سحبتَ ورقةً من أسطوانة الطابعة
تناثرتْ غيمةُ الحروف النحيلة
وطارت فراشاتٍ عبر النوافذ الموصدة
مخترقةً الخشبَ الرطب المدعَّم بأحجارٍ عتيقةٍ
فتزدهر حديقة البيت وتزهو خضرة الأمل.

ترى مَنْ ذا يواصل الكتابة على آلتك
مَنْ الذي يحمل العبءَ بعدك
مَنْ يدفق الدفء في أرواح ضيوفك
من أين هذا الشعور الغامض
بأنك لا تزال؟
وكيف لي أنْ أعرف؟

* رهينة

نجارون يحرسون شجرةَ تفاحٍ
شاهرين مناشيرَهم بارقة الأسنان
معتنقين فؤوسَهم المسلولةٌ
بقلانِسِهم منحرفةً خلفاً
يفْرُكُونَ أكفَّهم دَرْءاً للبرد
كأنهم على شفير مشاريعَ مؤجلة.
الفاكهة تتقاطرُ من أكتافهم
وقمصانُهم متهدلة
ولِحاهم تنمو بتسارع القطط،
شموسٌ وغيومٌ وتضاريسُ
وهم يعكفون على مرسوماتهم:
طاولاتٌ وأبوابٌ ونوافذ
معارجُ تَصعَدُ ومَدارجُ تهبط
وسفائنُ لاكتشاف الأنهار
ومهود وتوابيت ومصائد للعرش.
نجارون لا يرون في الشجر غيرَ حطبٍ ينضجُ
يتهيأ بلا وَجَلٍ
لشهوة المنشار ومغارز المسامير.
عن كثبٍ،
حطّابون يدركون المشهد بوعي العمل
يمسكون بأدواتهم
وينتظرون.

* شغف

حتى الخبرُ الصغير عن الخُبز الصغير الذي يهطل في المطر الصغير ذات صباح صغير، يمكن أن تكنز به روحي إنْ أنتَ بعثته في رسالة صغيرة في أصغر دقيقة لك قبل الذهاب إلى نومك الصغير.
لا تستصغر الأحداث الصغيرة من حولك.
ما من ذريعةٍ تنجيك من إحساس الفقد، تحت هذا الرعد الوحشي، الذي بلا نقطة مطر، في طاحونة الشياطين التي تهدر في رأسي عبر مسافات الجحيم، غضباً على نيتي المبيتة لتبجيل القتلى المؤجلين، خشية أن يموتوا قبل وصول ذلك الخبر الصغير عن الخبز الصغير في مطرٍ يتباخل بلا اكتراثٍ بوحدتي.

* يقظةُ اللافندر

تُحسِنُ المَرحَ وأنتَ في معطف التجربة
تضعُ قلبكَ في المشاكسة
لكي تبدو الفتى الشقيّ في نزهة الجحيم
لكلماتك موهبةُ العطف على صواعق المعرفة
وللحنين الشفيف في شرفتك بهجةُ الكتابة
للبريد استخدامات شتى
ترى قوادمَ الطير فيه
وفيه ظواهرَ الشجرِ
والبحيرةَ مخبوءةٌ في غاباتك المجاورة
وفي البريد توشكُ أنْ تشمَّ يقظةَ اللافندر
وتؤلفَ للعصافير أراجيحكَ الضاحكة
تُحسنُ دفعَ المأساة في هاوية.

* وحدةُ التنوع

يتراءى السديمُ
في ليلٍ مهيمنٍ ينسربُ
في تجاعيد هدأة الطبيعة
في بُخارٍ وفي تمائم،
يتصاعدُ نداءٌ غامضٌ
للتوحّد في الأشياء
كائناتٌ حية نائمة
أو ناعسة
أو مستيقظة
تتماهى بعطر العناصر
بالامتزاجِ والتحوّل
يجرفها السديمُ نحو المهاوى
حيث الكائناتُ والأفكار
وحدَها … وحدها…
سديمٌ
ديكتاتورٌ غامضٌ
يحكم المرْجَ
سيدُ القلوب المقذوفةِ في المدى
المنذورة للقاء والبوح.
ما من أحدٍ يزعُم أنه يحجبُ حباً
فكل شيءٍ في وحدته
قابلٌ صارمٌ قويٌ هشٌّ ذائبٌ سائلٌ ولوعٌ
مستسلمٌ لوهدة السهوب.
يرقى .. ويبرأُ
طبيعةٌ تُحرّرُ المخلوقات وتمنحها.

ريفٌ يسأمُ الحشودَ
وينسى الشخصَ.

كثيرٌ في وحدته،
تلك هي الحكمة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٣٣) صفحة (٢٠) بتاريخ (٢٨-٠٨-٢٠١٣)