مع نشر هذا المقال، قد تكون طبول الحرب قد توارت وراء أصوات القاذفات والصواريخ التي تهدد الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة بإلقائها على سوريا إثر اتهام الأخيرة باستخدام الأسلحة الكيماوية التي راح ضحيتها نحو ألف شخص، حيث أكدت ثلاث عواصم كبرى في مجلس الأمن هي واشنطن ولندن وباريس عزمها على اتخاذ قرار توجيه ضربة عسكرية ضد سوريا لم تفصح عن حجمها، بينما مارست الجامعة العربية الموقف المعتاد منها المتمثل في العجز الكبير عن ممارسة الفعل والاقتصار على رد الفعل المؤيد لعواصم القرار. وقد تزامن مع قرع طبول الحرب تراجع في أداء أسواق المال العربية والدولية، حيث خسرت عديدا من النقاط، فيما سجلت أسعار النفط ارتفاعا لأول مرة منذ ستة أشهر، تحسبا لأية تداعيات من شأنها أن تشعل المنطقة برمتها على أكثر من مستوى، ومن المرجح أن تشهد اقتصاديات المنطقة وبعض الدول الكبرى انعكاسات سلبية تضاف إلى المأزق الاقتصادي الذي يعاني منه الاقتصاد العالمي.
ما هو مؤكد أن توجه عواصم القرار العالمي يسير في اتجاه التصعيد العسكري وخلط أوراق اللعبة في المنطقة، ذلك أن أي عمل عسكري لن يقتصر على سوريا في ظل الاصطفافات المعروفة لأطراف الصراع: النظام السوري وإيران والعراق وحزب الله وقوى عربية بتأييد روسي وصيني، من جهة، وقوات المعارضة السورية من جيش حر، وجبهة نصرة، ودول إقليمية ومعها عواصم الدول الكبرى الثلاث التي تقرع طبول الحرب وتستعجل الضربة من جهة أخرى. صحيح أن تشرذم الموقف العربي وغياب الاستراتيجية التضامنية ستنعكس على الموقف العام الذي سيشكل انشطارا إضافيا في المجتمعات العربية المنقسمة أصلا على نفسها، الأمر الذي سيزيد من عمليات الاصطفاف السياسية العامة والمجتمعية لتدخل المنطقة في أتون مرحلة جديدة من التجاذبات التي ستكون أثارها كارثية.
ما يجري الآن في المنطقة يذكر بما جرى للضربة في العراق. فقد أخذ العالم على حين غرة، بسبب معلومات مغلوطة عن وجود أسلحة الدمار الشامل لدى نظام صدام حسين، وحين سقط النظام تبين أن المعلومات التي قدمتها الإدارة الأمريكية ليست سوى فبركة اشترك في صياغتها كثير من الجهات الدولية والإقليمية، ولم يجد الأمريكان ولا النظام الذي جاء بعد صدام أياً من الأسلحة التي تم الترويج لصورها والادعاء بأنه تم رصدها بالأقمار الصناعية أثناء تحريكها من موقع إلى آخر.
ربما تفلح الضربة، إن حصلت، في تقويض النظام السوري، وقد تصل إلى حد تغيير بشار الأسد لحلحلة شروط بدء المفاوضات التي سبق الإعلان عن إقامتها تحت تسمية جنيف2، لكن جغرافية المنطقة الشرق أوسطية لن تثبت على ما هي عليه الآن. فعملية التفتيت ستعمل بأقصى طاقتها في مجتمعات منقسمة ومجزأة ولديها كل أسباب تفجير الاحتقان السياسي والمذهبي لتفريخ دويلات على أسس إثنية أو عرقية أو طائفية، ناهيك عن وجود احتمالات كبرى في تسلم المتشددين زمام الأمور في أكثر من بلد عربي وخلق معطيات جديدة وحالة استنزاف إضافية من شأنها أن تبخر عائدات الثروات الطبيعية وتعيد التنمية الإنسانية عقودا إلى الوراء.
في كل الحالات، ستخلف الضربة واقعا جديدا على سوريا بشكل رئيسي، فبعد أن شملت عملية التدمير غالبية المناطق والمحافظات السورية بسبب الاحتراب الداخلي، فإن الوضع السوري الداخلي لن يستعيد عافيته كمجتمع متنوع، ولن يكون دور سوريا -مهما كان النظام الذي سيأتي- كما هو الدور الذي كانت تتبوأه قبل اندلاع الاحتراب. وتكفي الإشارة إلى أن النسبة الكبرى من المواطنين السوريين نازحون أو لاجئون في بلادهم وخارجها، بينما خلف الدم المسفوك أحقادا وثارات لن تتوقف مع صمت المدافع والقذائف الداخلية والخارجية.
إن البحر الأبيض المتوسط يعج بالمدمرات وكل المؤشرات تقود إلى أن الضربة ضد سوريا آتية لا ريب فيها، والخلاف على حجمها وحجم الدمار الشامل الذي ستخلفه، رغم الحديث التطميني الذي تكرره واشنطن من أنها ستكون ضربة محدودة توجه إلى ترسانة الأسلحة الكيميائية ومصانعها المفترضة. لكن نقلة نوعية في الصراع سوف تتأسس وبطريقة جديدة وفق معطيات يصعب التنبؤ بطبيعتها ومدى امتدادها الجغرافي الذي بالتأكيد لن يكون محصورا في الجغرافيا السورية. فدول الجوار السوري قد تكون مسرحا لأحداث أمنية وعسكرية غير متوقعة، ذلك أن منطقة كهذه هي محط أنظار القوى الكبرى التي تعاني اقتصادياتها من ركود وتحتاج إلى طلب دائم على سلعها وعلى رأس هذه السلع السلاح وصفقاته الأسطورية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٣٥) صفحة (١٣) بتاريخ (٣٠-٠٨-٢٠١٣)