يمرُّ خطابنا الثقافي السعودي بحالة من التجاذب والتشظي في المرحلة الحالية، متأثراً بتصاعد وتيرة الأحداث، خصوصاً مع التحولات السياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والدول العربية تحديداً، وأنا هنا لا أستغرب أو أستكثر انشغال خطابنا والأطياف الفكرية السعودية بهذه الأحداث، ولكن استغرابي لأجل الحماسة الزائدة لمتابعة تلك الأحداث والتأثر بمتغيراتها السياسية.
قضيتي هنا هي طبيعة تعاطي بعض المثقفين وتفاعلهم مع القضايا الكبرى التي تعبر عنها اليوم تحديداً الأحداث السياسية؛ مما يجعلني أسأل نفسي: ما هي مهمة المثقف الحقيقية؟ هل هي المهمة التاريخية نفسها التي تُقدمه في إطار فكري وأدبي وفلسفي، أم ما نراه في العصر الحديث ويتلخص في ممارسة سياسية أكثر من كونه اهتماماً أدبياً وفكرياً صرفاً؟
تحت هذه الظروف يسيطر عليَّ هاجس وفكرة إعادة قراءة طبيعة الدور الجديد للمثقف؛ حيث وضح هذا الدور جلياً على سبيل المثال مع بداية الأزمة السياسية التي عاشتها مصر، والتي من خلالها رأينا أن المثقف قد أصبح جزءاً من الصراع، وانغمس في المواجهة، فهناك من جنَّد نفسه للدفاع عن طرف من الأطراف سواء كانت «الحكومة» أو المناوئين لها، واقتصر دوره على تبني موقف مناصر ومدافع عنه فقط، وهذا أسهم في تشكيل موقف حاد يقوم على ثنائية محددة؛ وهي طرفا النزاع، في حين يمكن للمثقف أن يلعب دوراً مهماً للتأثير في المشهد من خلال توسيع الدائرة، وأقصد بها تنمية الصوت المعتدل الذي يقف في المنتصف وعلى مسافة واحدة من جميع الأطراف، لكن مع الأسف فشل بعضهم في تحقيق هذا الهدف أو لعب هذا الدور.
وعبر المتابعة لمواقع التواصل الاجتماعي والتغريدات التي تناقش هذه التحولات السياسية، نشاهد نوعية من السجالات تحمل أغلبها تأجيجاً واضحاً وغير مبرر، قد تصل في بعض الأحيان إلى مرحلة تصنيف أحد الأطراف أو ربما المساس بوطنيته.
ومن تداعيات ذلك ما حدث في الأيام الماضية؛ حيث تناقلت وسائط التواصل الاجتماعي أحد المشاهد المصورة تعرض عراكاً بالأيادي تم بين بعض المصلين في أحد الجوامع الرئيسة في الرياض، بسبب أن الإمام تناول في خطبته أزمة مصر وانحاز إلى أحد الطرفين؛ مما حدا ببعض المصلين إلى الاعتراض على ذلك حتى وصل الأمر إلى التلاسُن والعراك والصخب داخل المسجد بين بعض المؤيدين والمعارضين.
ما حدث بين أولئك من اختلاف في الرأي وحِدة وتشنج وعراك داخل المسجد إنما يُنذر بشيء خطير قد يمس مجتمعنا بسبب هذه التحزبات والتصنيفات الفكرية، وأننا نعيش حالة اصطفاف فكري محتقن، وأصبحنا فعلاً بحاجة إلى وقفة جدية لمراجعة الأمور فيما بيننا؛ لأن وطننا يهمنا جميعاً، والمحافظة على أمنه واستقراره مسؤولية الجميع، وليست مسؤولية الدولة وحدها، وألَّا ننجرَّ وراء الأفكار والآراء التي قد تقودنا إلى التحزبات والتقسيمات فيما بيننا، وحريٌّ بالخطباء الأفاضل الابتعاد عن تسييس خطب الجمعة حتى نبتعد عن الاحتقانات التي نحن في غنى عنها.
وعلى الرغم من وجود أصوات صاخبة الآن، إلا أنه لاتزال بيننا أصوات معتدلة ترى أنه يجب الابتعاد عن الخوض في تلك الأحداث السياسية الخارجية، والوقوف على الحياد والدعاء لهم بالإخاء والمحبة فيما بينهم، ومن هذه الأصوات الهادئة والمتوازنة التي لها ثقلها الديني في المملكة فضيلة الشيخ صالح الفوزان، الذي نادى بوجوب الابتعاد عن الفتن، وألا نتحدث إلا بما فيه خير للجميع، وإذا لم يستطِع الإنسان إصلاح المتخاصمين فإنه يتجنب الفتنة ويُمسك عنها، وأنه يجب الدعاء لهم بأن يصلح الله فيما بينهم، ويكشف الغمة عنهم.
هذه الأصوات تقدم لنا رأياً وموقفاً لما يجب أن نكون عليه عند حدوث الفتن والأزمات، فالابتعاد عن التأجيج والحدة والاستفزاز عن طريق الكتابات سواء عبر المقالات أو التعليقات هو الأفضل والأنجع لنا جميعاً.
ختاماً: نتفهَّم حاجة خطابنا الثقافي إلى التفاعل مع محيطه وأن يكون معبراً بشكل شمولي عن طبيعة حراكنا الثقافي، ويجب أن يكون هذا الحراك متوازناً ومحافظاً على هويته الوطنية، ومحصَّناً من كل الاختراقات التي قد تُضعفه وتقسمه، وبعيداً عن التصنيفات الشخصية، وأن يكون للمثقف دور كبير في هذا الخطاب، وجعله متصفاً بالوسطية والاعتدال، وبعيداً عن التشدد والحدة، وأن تكون حواراتنا ونقاشاتنا عبر جميع الوسائل الإعلامية منضبطة فيما بيننا حتى نضمن تماسُك مجتمعنا بكامل أطيافه ومشاربه المتنوعة أثناء حدوث الأزمات والفتن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٣٦) صفحة (١٢) بتاريخ (٣١-٠٨-٢٠١٣)