قرابة خمسة ملايين طالب وطالبة يعودون إلى مدارسهم بعد أيام قلائل، والسؤال إلى أي مدى استعدت وزارة التربية والتعليم؟ وهل نظاما فارس ونور الإلكترونيان كافيان لتوفير بيئة تربوية وتعليمية مناسبتين؟ أم أن هناك جوانب ذات أهمية كبيرة تحتاج إلى التفاتة كبيرة وجهد مضن. في ظني أن التعليم الجيد والناجح يقوم على ثلاثة أركان أساسية، ويمكن تسميته بمثلث النجاح وهي: المعلم، والمبنى المدرسي، والمناهج الدراسية. والسؤال الذي يطرح نفسه ماذا أعدت لها الوزارة؟ المعلم كما يصفه التربويون الركن الركين في العملية التعليمية والتربوية ولا يمكن أن يتحقق النجاح إلا بمعلم متمكن قادر على إحالة المناهج الدراسية إلى قيم ومبادئ وأخلاق وسلوكيات إيجابية. وإلا لظلت المناهج باهتة باردة. صحيح أن المنهج مهم جدا إلا أنه لا يمكن أن يقف على قدمين قويتين دون معلم يمتلك الكفايات التدريسية العالية ومهارات تؤهله لهذا العمل الشريف. أما المضلع الثاني «المناهج الدراسية» لا يمكن لها الانفكاك عن وجود معلم متمكن، فهما وجهان لعملة واحدة. وقد قطعت الوزارة شوطا رائعا في تطوير بعض المقررات إلا أن عملية التطوير تأخذ صفة الديمومة مع ضرورة مراعاة التخفيف من حشو المقررات التي لا تخدم الطالب في مستقبل حياته فقط تنهك ذاكرته وتصيبها بالتهتك. ويأتي المبنى المدرسي كضلع ثالث ليحقق للمثلث ترابطه واكتماله، والوزارة مع الأسف الشديد لم تتمكن من التغلب على هذه المعضلة ومازالت قائمة. فكثير من أبنائنا من بنين وبنات يسرحون إلى مبان مدرسية مستأجرة لا تحقق كامل الأهداف بل بعض المباني تسبب طردا واختناقا نفسيا، خصوصا إذا لم يكن هناك توازن بين ما يعيشه الطلاب أو الطالبات في منازل فاخرة، وبين مبان مدرسية بائسة تحتوى على غرف ضيقة، تفتقر إلى المرافق الهامة من ملاعب ومعامل ومختبرات ومصادر التعلم وغيرها.
غدا يعود أبناؤنا وبناتنا إلى قاعات الدرس يتوزعون في قرابة ثلاثة وثلاثين ألف مدرسة على مستوى المملكة وفي ذواتهم آمال عظيمة وأحلام كبيرة، ويعتبرهم الوطن ثروته الحقيقية التي يستند عليها في نهضته تحقيقا لمستقبل زاه .
كنت أتمنى من وزارتنا المبجلة أن تولي هذه الأضلاع جل اهتمامها وخططها ودراساتها وتخصص ميزانيتها الضخمة لاجتثاث المباني المستأجرة وتوفير المباني الحكومية ذات المواصفات العالية خدمة للتعليم ورقيا بالوطن. كنت أتمنى الاهتمام بالمعلم من حيث الاختيار والتطوير والتحسين المستمر وتوفير الدورات التدريبية طويلة المدى.
من يدّعي إمكانية تحقيق الجودة الشاملة لمدارسنا دون توفير المناخ المناسب يُعد – مع احترامي – ادعاء هزيلا وكلاما غير دقيق، الجودة التعليمية لا يمكن لها أن تتحقق دون توازن وتطابق وتوافق أضلاع النجاح الثلاثة، تهيئة معلم قادر ومتمكن ومثابر ومخلص ومؤهل تأهيلا عاليا وأن يكون مطورا لذاته وحاصلا على دورات تخصصية، ومتابعا مستجدات التربية، وتقديم مناهج تنمي مهارات التفكير وتساعد على تهيئة الخريجين من طلابنا لسوق العمل، وإنشاء مبان مدرسية مناسبة.
ليس عيبا الاعتراف بالقصور إنما العيب الإصرار على رفض وجود القصور والمكابرة والادعاء غير المبرر أن كل شيء تمام.
مقاييس الاختبارات تقول إن مخرجات طلابنا ضعيفة، وآخرون يلوون عنق الحقيقة، والخسارة بطبيعة الحال ستكون وخيمة علينا جميعا.
شيء جميل حين نجحت وزارة التربية في تطبيق برنامجي نور وفارس الإلكترونيين إلا أنهما يظلان مساندان لأعمال إدارية وفنية فقط ولا يصلان إلى لب العملية التعليمية والتربوية.
النجاح الحقيقي أن يشعر الآباء أن أبناءهم يجدون التعليم النابه الذي لا يستدعي التفكير في منافذ أخرى كالدروس الخصوصية التى استنزفت الجيوب وأرهقت الأسر ذات الدخل الضعيف أو المتوسط.
المستفيدون من التعليم انقسموا إلى فئتين، فئة ترضى بما أرادته الوزارة نظرا لضيق ذات اليد، وفئة تُرحّل أبناءها إلى دول العالم الخارجي بحثا عن مدارس تؤهلهم للحياة.
فاصلة:
سؤال طرحه مدير مدرسة رغدان الابتدائية على مدير شؤون المباني بتعليم الباحة، بحضور ما يزيد عن أربعمائة من المديرين والمشرفين التربويين ورؤساء الأقسام وقادة العمل التربوي في الباحة وبحضور مشرف وزاري حيث يقول في معرض سؤاله : لماذا تقاعست وزارة التربية والتعليم عن تنفيذ مبنى مدرستهم التي هُدمت منذ 6 سنوات من أجل إقامة مبنى جديد؟. وكانت الاجابة من المهندس عجيبة جدا، إذ يقول :المسألة تنظيمية وفنية بل إنها مسألة وقت! ولا ندري بعد مضي 6 سنوات، هل يريد الباش مهندس وقتا إضافيا؟ وما ذنب البراعم الصغيرة طوال هذه السنوات !

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٣٦) صفحة (١٢) بتاريخ (٣١-٠٨-٢٠١٣)