الحديث عن الماء في المملكة العربية السعودية حديث عن الحياة، عن الاستقرار، عن المستقبل، ونظراً للجفاف الذي يضرب أطنابه في شبه الجزيرة العربية، مما أدى إلى تشكيل مساحات رملية واسعة، ورغم الصعوبات المائية فقد شهدت الفترة الزمنية القريبة الماضية استثمارا جيدا للمسطحات المائية المجاورة (البحر الأحمر والخليج العربي) حيث أنشئت عليها محطات لتحلية المياه بتوفير ما يزيد عن 1,7 مليار متر مكعب سنويا، وتم نقلها عبر أنابيب بلغ مجموع أطوالها 455 كيلومتراً، مما جعل المملكة تتبوأ المركز الأول على مستوى العالم تحلية لمياه البحر واعتمادا عليه، إلا أن الظروف التي تمر بها مياه الخليج العربي غير آمنة بحسب تصريح الأستاذ عبدالله عبدالعزيز الرشيد الذي يعمل باحثا في شؤون المياه، وقال في لقاء موسع له في صحيفة الرياض: إن الخليج العربي لا يصلح مطلقا كمصدر آمن للماء، مبررا ذلك لعدة أسباب في كون الخليج العربي عبارة عن بحيرة شبه مغلقة، واستبدال وتجديد الماء فيه بطيء جداً، يستغرق أكثر من خمس سنوات لعدم تعرضه لتيارات بحرية، والسبب الثاني الأهم وجود مفاعلات نووية إيرانية أبرزها مفاعل «بوشهر» الذي يُهدد المنطقة بكاملها لو تعرض للانفجار بحكم قدمه وعدم أمانه كمفاعل تشرنوبل الروسي، حتما ستكون النتيجة وخيمة على المياه والسكان القاطنين حول الخليج، ولو تأملنا المبررات التي أوردها الباحث الرشيد لوجدناها منطقية إلى حد بعيد، وطرح في سياق حديثه حلولا مناسبة لاستثمار مياه الأمطار الساقطة على جبال السروات التي تٌقدر كميتها بما يزيد عن 37,5 مليار متر مكعب سنويا ومعظمها تذهب هدرا في البحر الأحمر، ونلحظ أن بوصلة البحث عن مصادر أخرى للمياه انعطفت هذه المرة نحو الجبال لكونها آمنة ومتوفرة، وكما يعرف كثيرون جبال السراة عبارة عن سلسلة جبلية تمتد بمحاذاة الساحل الشرقي للبحر الأحمر، تمتد بشكل رأسي من الشمال إلى الجنوب لتصل أعلى ارتفاع لها في جبال السودة بمنطقة أبها حيث يزيد ارتفاعها عن 3300 متر عن سطح البحر. وهذه الجبال التي تمتد من منطقة المدينة المنورة مرورا بالطائف وبالباحة ثم عسير تستقبل الرياح الجنوبية الغربية «الموسمية» لتُفرغ السحب حمولتها مشكلة أمطارا غزيرة تذهب مع الأسف الشديد هدرا وضياعا إما نحو الشرق وتغور تحت رمال الربع الخالي أو غربا لتصب في البحر الأحمر.
المختصون يشيرون إلى أن المملكة العربية السعودية بها ثروة مائية لم يُستفد منها بشكل فاعل، بمعنى أن وزارتي المياه والزراعة معنيتان بالدرجة الأولى عن هذه الهبة الربانية في منطقة تندرج تحت المناخ شبه الصحراوي، والوقت مناسب جدا لاستثمار هذه المياه، وتشير الدلائل إلى أن نسبة استهلاك الماء تتزايد مع تزايد عدد السكان وهذا أمر طبيعي، ويزداد الأمر سوءا في مقبل الأيام، مما يستوجب استثمار الإمكانات المادية المتوفرة حاليا من أجل تأمين مياه للأجيال المقبلة خصوصا أن العالم بأسره مقبل على حرب تتعلق بالاحتياج للمياه. ليت الخبراء والمختصين يبادرون إلى وضع استراتيجية بعيدة المدى لاستثمار مياه الأمطار لتكون بديلا عن المياه المحلاة التي قد تتعرض لمشكلات سياسية نتيجة شبكة معقدة من المصالح الدولية .
لم أنس تلك الفكرة التي طُرحت ذات يوم مضى عن سحب جبل جليدي من القطب الجنوبي ليصل إلى ساحل مدينة جدة وكانت فكرة خيالية ومجنحة إلا أنها كانت تهدف إلى إيجاد حلول لتوفير المياه واصطدمت الفكرة في صعوبات كعملية السحب المضنية ولمسافات طويلة، والمرور على مناطق حارة جدا كالمنطقة الاستوائية بمعنى أنها ربما تصل إلى جدة وقد تضاءلت وتحولت إلى قطعة فلين صغيرة لا يُرجى منها فائدة. لا أدري لماذا نذهب بالتفكير بعيداً والقريب منا يمكن الاستفادة منه واستثماره على المدى القريب والبعيد، فقط نحتاج إلى قرارات فاعلة إنقاذا لأجيال مقبلة ومتزايدة، وابتعادا عن مشكلات ربما تداهمنا عما قريب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٣٨) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٢-٠٩-٢٠١٣)