نصوصٌ تُنشر أسبوعياً، من «يوميات بيت هاينريش بول» التي كتبها الشاعر أثناء إقامته الأدبية، بمنحة من مؤسسة «هاينريش بول» في ألمانيا.

لو تُرك القطا لنام

  • حِصةُ العمل

تأتي إليك الكتابةُ
كأحدِ الناجين في منجمٍ ينهار
لستُ متفائلاً
فالتشاؤم سَعيٌ حثيثٌ نحو الأمل.
من دفترك الصغير
تطلع شتائلُ الوردِ الغضّة
تدبُّ نحو الأرض المحروثة
توقظ الجرس في مدخل البيت
تنهره بالدقات التسع ذاتِها
تدعو الماءَ لأداء دوره النشيط في البيت:
الساخنُ للاغتسال
الباردُ للجذور العطشى
الناعسُ لصقل الحواس
وقطرات ناعمة لقهوة الفجر.

ليس ذلك من التشاؤم
فلليأس حصةٌ في العمل.

  • المنشقّ

طائرٌ في كتيبة المستقبل
يرى أن المَسَّ بريشة القطا مسٌّ بالشغاف
فإذا التفتَ القطا لكي يحدّق بك
عليك الكفّ عن أنْ تكون عدواً
الأصدقاءُ ليسوا كذلك
الطيورُ أجنحة للنجاة
وكل طائرٍ يَدلُّكَ على طريقٍ
إنْ أنتَ منحتَه حرية التحليق
خارجَ السِّرب،
ففي السِّرب لا منجاةَ من الرُماة
ولا مفرَ من النار
كل منشقٍ من الطريق طيرٌ
دعِ الطرقَ المختلفة تأخذك إلى الحرية
في طائرٍ يعرف الطريق إليها.

  • الأعمى يرسمُ الخريطة

حتى الأعمى لن يضلَّ طريقه في بيتك
أشجارٌ كثيرة تكفي لخطواته
فالحديقة تمنح عصًا لا تُحصى
يتقرّى بها الأعمى مصيره المنتظر
قهوةٌ تطيشُ في موقد الزاوية
على يمين الداخل
ركنٌ لآلةِ غسلِ الملابس
في حُجيرةٍ على يسار الداخل
شجيرةُ الورد البلدي
يُلوّحُ بحمرته القانية في جدارٍ مرقوم
يؤدي إلى مكتبةٍ مكتظة بأقفاصٍ تَجلسُ القرفصاء
وإذا شوَّحتَ بعصاتك إلى اليسار الأعلى
سوف تلامس كتب «هاينريش بول» المطلة على هاوية
وحفيفَ الورق خارجاً من تجاعيد الآلة الطابعة
يكاد أن يهرم
صادراً من غرفته المتصاعدة
شاغرةً تحرس كائنات البيت والحديقة
غرفةٌ تهبط برمتها على الدرج الخشبي
كلما فتح أحدٌ بابَ البيت.
يأخذ بيدك
أو يمسك لكَ العكازَ الأخضر
لكي يضعَ طرفه على الكلمة الأخيرة
في سطرٍ لم يكتمل
في الصفحة المنسولة تواً من أسنان الأبجدية
وإنْ بدأتَ تعيد رسمَ الحديقة
سترى بعينيك المؤجلتين
الخضرة البهية تلوّن لك ما تخطّ
وتمحو لك ما تكتب.
ماعليك إلا أن تدلف إلى البيت
وسوف ترى .. ببصيرتك
ما يقصرُ عنه البصر.

  • «الراين» /2

هذا هو «الرّاين» في الانتشاء
أيها الماءُ الكبير
المتثاقل المسترخي عبرَ أوروبا
هل لديكَ سفينةٌ تنقلني بكل هذه الكتبِ والدفاتر
الكلماتُ والحروف
الشوقُ والعناقات
النهارات والليل
الشغفُ واللهفة
الخريفُ والبرد
القلقُ والكتابة
النومُ والأحلام،
سفينةٌ واحدة تكفي،
فليس سوى قلبٍ واحدٍ هنا
مثقلٍ بالهموم
مكنونٌ يئنُّ وينتحبُ
يرحل وينتظر
يقف معي على شاطئك
أيها «الرّاين» الباهر
هل لديك سفينةُ النهر القديمة
تحملُ نار قلبي الجديدة
من بيتِ «هاينريش بول»
في ريف «دورين» الكريم
إلى أصغرِ جزيرةٍ في الماء المالح
بعيدةَ المنال
وأكثرَ قسوة على القلب
فها أنا، أرحلُ وأنتظر
بالأنهار الهادرة في قلبي
أبحثُ عن سفينةٍ في نهر
تأخذني إلى جزيرتي المالحة
في تلك البحارِ الكثيرة
وحدَها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٤٠) صفحة (٢٠) بتاريخ (٠٤-٠٩-٢٠١٣)