المناهج المطورة .. «تناغم مفقود» بين المدارس والمعلمين والطلاب

طباعة التعليقات

دفتر تحضير مادة الرياضيات

جازانأمل مدربا

تربويون: تدريس المناهج المطورة بأساليب تقليدية أفرغها من مضمونها.
زحام الفصول وعدم جاهزيتها «تقنياً» وضيق الوقت زاد من عبء «المطورة».
بعض الآباء ينجزون واجبات أبنائهم اختصاراً للوقت وضمان أعلى تقدير.
التفاوت بين مضامين المناهج وقدرات الطلاب يتطلب إعادة نظر.

أثارت المناهج الدراسية المطورة التي أنجزتها «التربية»، ردة فعل عكسية، نتجت عن عدم جاهزية الميدان التربوي للتفاعل معها بآليات جديدة خارج نطاق الأساليب التقليدية في التدريس، خاصة التلقين. وأبدى عدد من التربويين والمعنيين بالمناهج قلقهم من عدم تحقيق المأمول من ذلك التطوير، الذي تميز باختلاف نوعي، شكلاً ومضموناً، عن المناهج التقليدية، واتسم المحتوى بالجدة، والإخراج اللافت والجذاب، حيث أكدوا أن كثيراً من المعلمين والمعلمات لم يتم تهيئتهم أو تدريبهم عليها، كما أن بيئة التدريس نفسها تتسم بعدم الجاهزية؛ لغياب التقنيات التي تعتمد عليها تلك المناهج في الوصول إلى المعلومة. وبينما ساهمت المناهج المطورة في تخفيف العبء عن المعلم في توفير المعلومة بتحفيز الطلاب على البحث عنها، زاد العبء من جهة أخرى على أولياء أمور الطلاب والطالبات في فهم المحتوى، ما جعل من الصعب عليهم مساعدة الأبناء على إنجاز واجباتهم، بل ولجأ بعضهم إلى اختصار الجهد بحل تلك الواجبات بنفسه بدلاً عن الأبناء لضمان حصولهم على أعلى تقدير في الإنجاز. وتضافر مع ذلك كثرة التدريبات وضيق الوقت المخصص لها وازدحام الفصول وعدم جاهزيتها.

تطوير منقوص

في هذا الصدد، يقول محمد إبراهيم، معلم في المرحلة الابتدائية، كان من المفترض تهيئة المدارس كخطوة أولى للتطوير، فالمناهج الجديدة قد تكون جيدة ولكن باستخدام الوسائل المُعينة والأجهزة المساعدة، ومدارسنا في الغالب لا تتسق مع ذلك، لأن فصولها عبارة عن غرف جوفاء، خالية من وسائل الجذب التي من شأنها تقريب محتوى تلك المناهج أو حتى ربطه بأرض الواقع لإيصال المعلومة إلى الأذهان. مبيناً أن التطوير بهذا الشكل يعتبر أمراً ارتجالياً.

كثافة وضيق في الوقت

أما رندة رفاعي، معلمة في المرحلة المتوسطة، فترى أن ما حدث ليس تطويراً بمعنى الكلمة، بل دمج لبعض المواد مع بعضها الآخر، كما هو الحاصل في الدراسات الاجتماعية، التي دُمجت معها مادتا التاريخ والجغرافيا في مقرر واحد. كما تشير إلى أن التطوير شمل استحداث آليات ووسائل جديدة مثل كتاب الطالب وكتاب النشاط، خلاف زيادة كثافة المادة العلمية ومحدودية الزمن المتاح للمهارات والاستراتيجيات المطلوب تنفيذها في الوقت نفسه. وألمحت رندة إلى ما اعتبرته من السلبيات، ومن أهمها كثرة أعداد الطالبات داخل الفصول، وضيق الوقت، مؤكدة على أن ذلك أدى إلى إرهاق المعلمة بمنهج وآليات تنفيذ كبيرة في خضم تكدس الطالبات وقلة التجهيزات.

الصفوف غير مهيأة

وتؤكد ليلى خالد، معلمة في المرحلة الثانوية، أن المناهج الجديدة رائعة في محتواها وإخراجها وآلياتها، لكنها تحتاج إلى تهيئة المكان والصف وتخفيض أعداد الدارسين فيه، وكذلك تهيئة الطالبات لها، مؤكدة على أنه لا يوجد فرق جوهري بين المنهجين القديم والحديث، سوى في إضافة مواضيع جديدة وآليات وتقنيات ومهارات جديدة في كتابين، طالب ونشاط غير مفعل!

صعوبات في الفهم

وتكشف سميرة مجلي، والدة طالبة، عن معاناتها من المناهج الجديدة، حيث اعتبرتها مبهمة نوعاً ما، ما حال دون وصول المعلومة إلى أذهان الطالبات بوضوح. وتضيف أن ابنتها تعاني كثيراً من التأقلم مع تلك المناهج، كما أنها تجد صعوبة عند محاولة مساعدة ابنتها على فهم تلك المناهج، التي اعتبرتها أشبه بمناهج مرحلة البكالوريوس. وأثنت سميرة على التغير الكبير لشكل الكتاب المدرسي، الذي ترى أنه أصبح أشبه بالمجلة بفضل ألوانه المتعددة، لكنها تصر على أن المحتوى لم يوضع بدقة متناهية.

التوافقية مطلوبة

من جانبها، ألمحت أستاذة طرق التدريس الدكتورة أم سلمة العامر إلى أن التعليم في حاجة إلى إعادة النظر في كثير من الوحدات التعليمية التي تتضمّنه، حتى يظهر التوافق بين المرحلة العمرية والمحتوى، وبالتالي لا يتحول إلى عامل لتعجيز الطلاب والطالبات. وأشارت إلى ملاحظات عديدة لمستها في المناهج الجديدة منها استخدام بعض المراجع غير المعروفة إلا للمتخصصين، وكثرة التمارين مع ضيق الوقت المتاح لها، كذلك صعوبة مفردات النص الإثرائي ونص الدعم. ودللت على ذلك بأمثلة منها أن أكثر نصوص مواد اللغة العربية للمرحلة الابتدائية لا تتناسب مع مستوياتهم السنيّة ولا مداركهم الفكرية، ومن الضروري عند العمل على أي محتوى في أي منهج أن تراعى فيه الأبعاد النفسية والقدرات الإدراكية، حتى نضمن إمكان تعامل هذه المرحلة معه.

فقدان ثقة مزدوج

وطالبت أم سلمة بضرورة إيجاد هيئة من المختصّين في مجال علم النفس والعلوم السلوكية، تتولى مراجعة المحتوى والحكم على مدى ملائمته ومن ثم تتولى إجازته. وترى أن المناهج المطورة قللت من ثقة المعلم في ذاته حين يرى نفسه عاجزاً عن حل مسألة من المسائل أمام تلاميذه بطريقة مفهومة، كما اعتبرت أنها تقلل من ثقة التلميذ في ذاته أيضاً لشعوره بأنه غير قادر على الفهم، الأمر الذي رأت أن له عواقب نفسية سيئة على المدى البعيد. وتؤكد أن نتائج الأبحاث المعنية بدراسة درجة التحفز لدى الطفل على أن الأطفال الأكثر عرضة لسياقات الإحباط والعجز، هم أقل أفراد المجتمع حماساً واندفاعاً للعمل والتعلم فيما بعد مرحلة البلوغ، مشيرة إلى أن المناهج التي تراعي حاجات كل من المجتمع والسوق والمتلقين مراعاة مدروسة هي الأقدر على منع مثل هذه المشكلات.

مطلوب تطوير المفردات

وتدعو أم سلمة إلى تطوير شامل للمناهج يتطرق إلى جميع الخبرات التربوية والتعليمية التي يشملها المنهج. وتطرقت إلى أهمية تطوير المفردات العامة للمنهج، لأنه على ضوئها نحدد القدر الذي نحتاجه من المعارف والمعلومات النظرية، وكذلك القدر المناسب من التجارب والتدريبات الافتراضية، إضافة إلى المجال المناسب لتطبيق تلك المهارات، مضيفة أن التحديثات التي تتم الآن هي تحديثات مطلوبة وموفقة، وأن من أبرز حسناتها أنها جعلت من الكتاب المدرسي كتاباً جميلاً تتقبله النفس والعين معاً، كما جعلت من دمج بعض المقررات أمراً منطقياً ومقبولاً.

تفاعل ضئيل

وقالت إن القائمين على هذه المناهج يدركون كثيراً إيجابياتها، لكنها على المستوى التطبيقي بدت لها سلبيات عديدة، منها اعتمادها على سياسة البدء من الصفر؛ حيث لم تُبن على مناهج سابقة بمعنى أنها لم تعتمد على سياسة التراكم، وبالتالي لم تحقق أهدافها حتى الآن، كما أن حالة الارتباك في بعض المقررات المدرسية من حيث التغيير في المعلومات والشكل لمجرد الرغبة في التغيير، قد تتسبب في كثير من الإشكاليات التي يعاني منها أبناؤنا اليوم، والمحصلة واضحة؛ فنسبة المعرفة والقدرة على التفاعل مع المقررات ضئيلة جداً، ويحتاج الأمر إلى دراسة وليس إعادة نقض ما تم البحث عنه؛ لأن المفروض عند إعادة الدراسة أن نبحث عن السلبيات ونزيلها، وعن الإيجابيات ونعززها، مؤكدة على أن البنية التكوينية للمقرر من المفترض أن تسير وفق أهداف وخطط. وقالت من الواضح أنه ليس لدينا خطط، بدليل أننا نستحدث اختبارات القياس التي تنسف الشهادة الثانوية. وأضافت لا نستطيع تعريب مناهج أجنبية ونقوم بتطبيقها في مجتمع بهوية وملامح وأساسيات مختلفة؛ فلكل مجتمع هويته، والنتيجة تكون مقررات منفصلة عن الواقع، وتجعل الطالب يعيش في غربة مع المقرر؛ بسبب انفصال المقررات عن الواقع، فهو يدرس شيئاً وحياته شيء آخر.‏

الحشو والتلقين.. يفسدها!

547711.jpg

أما أستاذة علم النفس التربوي في جامعة جازان الدكتورة غادة مصفى، فرأت أن تلك المناهج المطورة، خففت الضغط على المعلم، نظراً لأن هدفها الرئيس تحفيز الطالب على البحث عن المعرفة وتقصّيها، بينما يصبح دور المعلم موجهاً فعالاً لما يكتسبه الطلاب، لكن مع الآسف -والحديث ما زال للدكتورة غادة- من يتولى تدريس هذه المناهج المطورة يستخدمون الطرق التقليدية ذاتها كالحشو والتلقين، ما تسبب في نفور الطالب من تلك المناهج المطورة وإخفاقه في التأقلم معها، ومن ثم كان يجب الخروج من تلك التجارب بمخرجات قوية تحقق الهدف المنشود. وترى أن كثيرات من المعلمات على سبيل المثال، لم يكن يعرفن ما هو ملف «الإنجاز أو المسرد» ولا يعرفن طريقة استخدام «البروجكتر» أو السبورة التفاعلية، ولا حتى الطريقة الصحيحة في التعامل مع الطالبات وآلية التدريس، وغاب عنهن أن المناهج المطورة تحتاج للتقنية، والبحث عن المعلومة، واستخدام استراتيجيات متنوعة لإيصال المعلومات، وحبذا لو كان التنوع في استخدام الاستراتيجيات أو الاختيار من بينها، كالتعلم التعاوني وطرح الأسئلة التي من خلالها تستنج الطالبة المغزى والهدف ومضمون الدرس، كما أن الحوار الهادف يحقق نتيجة غير متوقعة خصوصاً إذا تم ربطه بالواقع.

جهد ينقصه التفعيل التطبيقي

واستحسنت الدكتورة غادة جهود وزارة التربية والتعليم في تطوير المناهج الدراسية، إلا أنها انتقدت أساليب تدريس تلك المناهج، واعتبرتها بعيدة كلياً عن التطوير حيث لم تبرح نمطية التلقين وكثافة الواجبات المنزلية التي تتولى الأسر إنجاز أغلبها لتضمن بعد ذلك ما سمي بملف إنجاز الطالبة. وقالت على الرغم من بُعد محتوى ذلك الملف عن قدرات التلميذات ووضوح جهد الأهل في زخرفة وتزيين محتوياته، إلا أن المتابعين لبرامج التطوير في المدارس يشاهدون تلك الأعمال ويدركون خلفياتها لكنهم يتقبلون الأمر ويزيدون عليه بالثناء على المعلمة طالبين منها الاستمرار في حشو الملف ليصبح مجلدا ضخما يضاف إلى حقيبة الطالبة.

اهتمام بالكم لا الكيف

وترى أن طرق التدريس الحديثة للمناهج المطورة التي تركز على كم الإنجاز لا نوعه وطرق تنفيذه، كمعيار لمستوى الطالبة، يساهم بالضرورة في تدني مستوى المخرجات. وألمحت إلى أن التدريس الفاعل والمطور في دول العالم يركز على ورش العمل داخل حجرة الصف وعلى تشارك الطلاب مع المعلم في البحث عن المعلومة أو رسم الشكل وتنسيق الألوان، الأمر الذي يُرسخ المعلومات في الذهن بقدر أكبر، ويساعد على اكتشاف القدرات وملاحظة الفوارق ومن ثم تَسهُل معالجة الضعيف منها وتعزيز القوي والجيد. وبالتالي تنحي الدكتورة غادة باللائمة فيما قد يحدث من إخفاق في تدريس المناهج المطورة على نقص تدريب وتأهيل الكوادر التعليمية لتواكب الجديد، في حين أن غالبيتها تجد صعوبة في فهم محتوى تلك المناهج، فكيف بتدريسها، وهم من ظلوا سنوات عديدة على منهج وطريقة واحدة لذا عجزوا عن التعاطي مع الجديد بل إن هناك من يدرسه بالطريقة الخطأ.

** وختاماً.. تبدو المناهج المطورة، في حاجة إلى تفعيل البيئة التربوية، تدريباً وتجهيزاً، لتؤتي ثمارها، وحتى لا يضيع هذا الجهد الكبير في غمار تطبيقات غير مطورة ويفتقد بمرور الوقت إلى الهدف المنشود. فهل تتدارس «التربية» هذه الإشكاليات بعمق وتتخذ بشأنها الإجراء المناسب؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٤٣) صفحة (١١) بتاريخ (٠٧-٠٩-٢٠١٣)