انطلقت في نهاية أغسطس الماضي الجولة الثانية من الحوار الوطني في البحرين، وسط ترقب من الشارع عما ستفضي إليه جلسات الحوار الجديدة بعد أن فشلت الجولة الأولى في كسر الجليد بين المتحاورين الذين أمضوا أربعة أشهر يتحاورون في آليات الحوار والمبادئ والثوابت ولم يدخلوا بعد إلى الأجندات الرئيسية التي تشكل مركز الحوار، بل تم ترحيل أغلب النقاط إلى الجولة الثانية بعد أن عجز المتحاورون عن اجتياز المطبات والعثرات التي واكبت الجلسات الخمس والعشرين.
في الجولة الثانية من الحوار كان الجو أكثر هدوءاً، ربما لأن المتحاورين قد جاءوا من استراحة دامت شهرين «من نهاية يونيو إلى نهاية أغسطس»، لكن بعضهم لم يقم بالواجب الذي كان يفترض أن ينجزه، فسقطت نقطة من جدول الأعمال المكون من نقطتين، حيث تم تأجيل موضوع التمثيل المتكافئ إلى جلسات مقبلة، وتم الاكتفاء بمناقشة الثوابت والمبادئ والقيم. القوى الوطنية الديموقراطية المعارضة قدمت بدورها مبادرة في تلك الجلسة لحلحلة الوضع الجامد ولتهيئة أجواء أكثر صحية، هذه المبادرة مكونة من ست نقاط أهمها: وقف عملية التحريض الإعلامي والبدء في بناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف بما يعزز الوحدة الوطنية، وفتح وسائل الإعلام أمام كافة القوى السياسية والمجتمعية دون تمييز أو إقصاء، وإطلاق سراح سجناء الرأي وفق التوصيف الذي جاء به تقرير اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق، وإحداث عملية الانفراج الأمني المطلوبة من خلال تبريد الساحة المحلية وإدانة العنف والعنف المضاد من أي مصدر كان، والإصرار على وجود جهاز إعلامي للأطراف المشاركة في الحوار، وتنفيذ توصيات اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق وتوصيات مجلس حقوق الإنسان العالمي، ووقف السعي المحموم لتشطير المجتمع على أساس طائفي ومذهبي وقبلي، والتوقف عن الإمعان في سياسة التمييز بين المواطنين.
بيد أن التطورات التي حدثت بعد تلك الجلسة قلبت الطاولة رأساً على عقب وبدأت الهواجس تزداد مع صدور قرار بمنع اتصال الجمعيات السياسية بالسلك الديبلوماسي العامل في البحرين، إلا بعد إخطار الوزارة المختصة وهي وزارة العدل، وأن يكون هناك مندوب عن وزارة الخارجية مع وفد الجمعية التي ترغب في عقد اجتماعات مع رجالات السلك الديبلوماسي. هذا القرار حدا بجمعيات المعارضة إلى مقاطعة جلسة الحوار التي كان مزمعاً عقدها يوم الأربعاء الماضي «4 سبتمبر»، وصدرت بيانات وبيانات مضادة على خلفية القرار والموقف منه. ويبدو أن الوضع يسير إلى بعض التأزم إن لم تشهد الساحة تحركاً إيجابياً من خارج الطاولة من شأنه أن يبرد الساحة التي بدأت تسخن مع الجولة الثانية من الحوار. لكن الحوار الوطني في البحرين ليس معزولاً عما يجري على المستوى الإقليمي؛ فطبول الحرب التي يزداد قرعها في البحر المتوسط بدأت تُسمع أصداؤها في منطقة الخليج لتنعكس المواقف الدولية والإقليمية على الوضع الداخلي في البحرين رغم حاجة البلاد إلى كثير من الهدوء من أجل إنجاز تسوية سياسية من شأنها أن تنقل الجزيرة إلى رحاب الاستقرار وإبعاد التجاذبات الإقليمية عنها. ولا يمكن إحداث هذه النقلة إلا بحوار جاد قادر على مناقشة القضايا الشائكة بجدية كبيرة من أجل أن يصل إلى خلاصات متوافق عليها بين جميع الأطراف، تشكل العمالة المهاجرة أغلب السكان فيها، وحيث بدأت هذه الحالة تضغط على سوق العمل نظراً للمنافسة غير المتكافئة بين العامل المحلي ونظيره الأجنبي، فقد زادت نسبة البطالة بشكل ملحوظ، تزامناً مع أزمة مالية عالمية وأزمة سياسية محلية تحتاج إلى رافعات كبرى وقرارات شجاعة لإعادة التموضع على سكة الحل الدائم.
حال المواطن البحريني هذه الأيام حال الخليجيين والعرب الذين يترقبون حدثاً جللاً في الساحة السورية، التي لا شك أنها لن تكون مقتصرة على الجغرافيا هذه فقط بقدر ما ستتمدد إلى مواقع أخرى. وبالتالي فإن الحديث عن الحوار في البحرين الذي تعثرت جلسته الأخيرة لا يشكل الخبر الأبرز هذه الأيام مع مزاحمة أخبار احتمالات الحرب على سوريا، وهو أمر قد يسهم في تخفيف حدة التباين بين الأطراف محلياً إذا ما أُحسن التصرف وضُبِط إيقاع الانفعالات التي وجد بعضها في الجلسة الأخيرة وتم التحضير الجيد وتهيئة أجواء «تحصينية» داخلية تقوم على أساس وحدة البلاد الداخلية وعدم الانسياق وراء الحملات الإعلامية الكبرى التي تعصف بالمنطقة لإحداث تجاذبات تؤثر سلباً على النسيج الاجتماعي المحلي لكل بلد. هذا التحدي لا يقتصر على طرف في الحوار دون غيره، بل يشمل جميع الأطراف المتحاورة التي يجلس أعضاؤها على طاولة الحوار.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٤٤) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٨-٠٩-٢٠١٣)