الجموح الأمريكي من أجل السيطرة وفرض القيادة على المجموعة الدولية والهيمنة على مصائر البشرية وسعيها الحثيث لأمركة العالم، تضاءل كثيراً بعد الفشل الذي نالها في أعقاب حرب العراق؛ لأن ذرائع الحرب لم تكن صادقة، وتكشفت فيما بعد الأسباب الحقيقية. هذا الموقف وغيره أضعف مكانة أمريكا عالمياً وأصاب دورها بالانحدار، والآن في عهد أوباما تحاول أمريكا استعادة شيء من مجدها إلا أن الأوضاع بدأت تتغير، بوجود كيانات سياسية قوية وشبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والسياسية. تعيش أمريكا حالياً مأزقاً سياسياً وعسكرياً، والدليل عدم تمكنها من إقناع الدول ذات النفوذ الأقوى في الأمم المتحدة أو حتى الأضعف في حربها ضد نظام الأسد المستبد، رغم أن دوافع الحرب تكاد تكون مماثلة لتلك الحرب التي جيشت دول العالم من أجل اجتثاث صدام حسين ونظامه. وجاءت أمريكا متأخرة جداً في حربها ضد نظام الأسد مما يزيد من عدم ثقة العالم في صدقية سعيها للعدالة، فقد تمادى الأسد كثيراً وطفح الكيل في حربه الضروس ضد شعبه واستخدامه الغازات الكيماوية السامة، بعدها تحركت أمريكا كي تستعيد شيئاً من هيمنتها وهيبتها، وربما هنا خيوط خفية، فالحرب التي تعتزم القيام بها ليست حباً في زيد، بل هي خوف على عمرو، فإسرائيل على مرمى مدفع من سوريا، علماً بأنها في وقت سابق كانت واثقة من أن الأسد لن يستخدم غازاته على إسرائيل، إلا أن التغيرات التي طرأت والأوراق التي انحرقت على الأسد ستجعل الجنون يدفعه آجلاً أو عاجلاً لأن يفعل أي شيء في سبيل البقاء على الكرسي، فالإرهاصات تنبئ عن اعتزامه القيام بخطوة غير متوقعة، لذا استنهضت أمريكا قواها معلنة عن ضربتها الجوية، وإن كان نظام الأسد يستحق الاجتثاث لما آل إليه من استبداد وقهر لشعبه. الدلائل المنظورة على الصفحة السياسية تشير إلى أن القيادة الأمريكية للعالم تراجعت كثيراً، فغالبية دول أوروبا لم تؤيد، وكذلك روسيا والصين المعارضتان والباحثتان عن نصيبهما من كعكة الالتزام بالصمت.. مما جعل بعضهم يصم أوباما بالجبن، وفي واقع الأمر وجود تحديات وتغيرات جديدة طرأت على العالم بأسره، تسببت في تراخي القرار الأمريكي الذي يمر عبر الكونجرس، وهذه سنة الحياة، فمن كان قوياً اليوم ستأتي عليه لحظة ضعف، والعد التنازلي لأمريكا بدأ؛ بمعنى أن هناك دولاً تواصل صعودها وليست فرادى بل على شكل مجموعات متضامنة كروسيا والصين.
الدول الأوروبية بإرثها التاريخي والحضاري والعلمي تقف متفرجة لترى إلى أي جانب يتأرجح ميزان القوى العالمي، وفي ذات الوقت تسعى هي حثيثة لأن يكون لها مربع قوة، ومن خلال الأحداث الجارية نلحظ أن العالم يمر بمنعطف خطير فتغيرات القوى قادمة.. قادمة لا محالة، فأمريكا لم تعد قادرة على مسك الزمام العالمي، لفشلها في حل كثير من المشكلات التي تطرأ على المجتمعات الفقيرة التي تشكل ثلاثة أرباع البشرية، فضلاً عن عدم ثقة دول العالم في القرارات التي تتخذها؛ لأنها تنبعث من مصالحها الخاصة.
الدول العربية تشهد تحدياً كبيراً في هذه اللحظة الحرجة وما عليها إلا الخروج من هذه المآزق السياسية والعسكرية، والوقوف أمام التحديات التي تعصف بها من جميع الجهات، وترميم أوضاعها الداخلية؛ لأن المخالب الحادة تنتظر مواطئ مناسبة لغرسها في هذا الجسد المتهتك وصولاً إلى غنائم؛ كالنفط والسيطرة على الممرات المائية بين قارات العالم القديم. البعض يظن أن الحرب الباردة بين الشرق والغرب انتهت ولم يفطن أن الحرب قائمة بصور وأشكال متنوعة بحسب الأوضاع الراهنة والمصالح المشتركة. التنافس الاستعماري يأتي بوجوه كالحة سوداء والهدف منه سواء كان قديماً أم حديثاً هو السيطرة وفرض الهيمنة والاستغلال والاستبداد. دول الخليج العربي أمام تحديات عظيمة، ورياح عاتية تعصف بها من كافة الجهات، فهل تستثمر هذه اللحظة التاريخية لسد منافذ الريح المدمرة، وتجاوز الأمواج العاتية لتعيش هانئة مستقرة؟.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٥٠) صفحة (١٢) بتاريخ (١٤-٠٩-٢٠١٣)