لم يكن تفجر الحراكات الشعبية في بلدان الربيع العربي إلا كشفاً عن القيح والدمامل المتراكمة بسبب عقود من الزمن سبقت ولحقت الاستقلالات الوطنية عن الانتدابات الأجنبية، فكان شعار ما بعد الاستقلال «لاصوت يعلو على صوت المعركة» خطوة على طريق إحكام الدولة المركزية على كل مفاصل الحياة تحت يافطة تأسيس الدولة الحديثة.
وحيث تزامنت عهود الاستقلال مع هذه النزعات التي اُستثمر فيها الهم القومي المتمثل في نكبة فلسطين عام 1948 ونكستها في حرب الأيام الستة 1967، فقد تم صقل الشعار ليشكل غطاءً على الإخفاقات المتتالية في بناء الدولة المنشودة التي يفترض أن تعبر عن تطلعات المواطن في مختلف مناحي الحياة.
تعرف ويكيبيديا الموسوعة الحرة الدولة بأنها «تجمع سياسي يؤسس كياناً ذا اختصاص سيادي في نطاق إقليمي محدد ويمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة». وبالتالي فإن العناصر الأساسية لأي دولة هي الحكومة والشعب والإقليم، بالإضافة إلى السيادة والاعتراف بهذه الدولة، بما يكسبها الشخصية القانونية الدولية، ويمكنها من ممارسة اختصاصات السيادة لاسيما الخارجية منها. وتتسم الدولة بخمس خصائص أساسية تميزها عن المؤسسات الأخرى، هذه الخصائص هي ممارسة السيادة، والطابع العام لمؤسسات الدولة، والتعبير عن الشرعية، والدولة باعتبارها أداة للهيمنة، والطابع الإقليمي للدولة. في حين تعرف المواطنة بأنها «الانتماء إلى مجتمع واحد يضمه بشكل عام رابط اجتماعي وسياسي وثقافي موحد في دولة معينة. وتبعا لنظرية جان جاك روسو «العقد الاجتماعي» المواطن له حقوق إنسانية يجب أن تقدم إليه وهو في نفس الوقت يحمل مجموعة من المسؤوليات الاجتماعية التي يلزم عليه تأديتها. وينبثق عن مصطلح المواطنة مصطلح «المواطن الفعال» وهو الفرد الذي يقوم بالمشاركة في رفع مستوى مجتمعه الحضاري عن طريق العمل الرسمي الذي ينتمي إليه أو العمل التطوعي. ونظراً لأهمية مصطلح المواطنة تقوم كثير من الدول الآن بالتعريف به وإبراز الحقوق التي يجب أن يملكها المواطنون كذلك المسؤوليات التي يجب على المواطن تأديتها تجاه المجتمع فضلاً عن ترسيخ قيمة المواطن الفعال في نفوس المتعلمين. وفي القانون يدل مصطلح المواطنة على وجود صلة بين الفرد والدولة. بموجب القانون الدولي المواطنة هي مرادفة لمصطلح الجنسية، على الرغم من أنه قد يكون لهما معانٍ مختلفة وفقا للقانون الوطني.
هنا تبرز إشكالية المواطنة في الدول العربية. وهي إشكالية كبرى تقف وراء ما يجري في بلدان المنطقة من حيث تعاطي الدولة ومؤسساتها مع المواطن، حتى اختلط مفهوم الدولة بمفهوم نظام الحكم أو الحكومة التي عادة ما تزيح الدولة وتتربع مكانها من خلال إطباقها على كل السلطات المكونة لها بما فيها مؤسسات المجتمع المدني الهجينة، ضاربة بعرض الحائط المبدأ الدستوري الشهير «الشعب مصدر السلطات جميعا»، وهو المبدأ الذي تقوم عليه الدساتير وتتفصل عليه السلطات، وتنبثق منه القوانين المنظمة لحياة الناس. ومع دمج السلطات وتداخلها مع بعضها بعضاً يغيب مبدأ التعاون ويضمر وتذوب هذه السلطات في السلطة التنفيذية التي غالبا ما تتركز قراراتها في الأجهزة الأمنية، وتغيب الشفافية والإفصاح فيعشعش الفساد الإداري والمالي ويتمدد حتى يصل إلى مستويات يصعب اجتثاته، بل تحول في بعض المجتمعات العربية إلى سلوك ونهج يومي للحياة، وبالتالي تضيع دولة المواطنة مع شطب العقد الاجتماعي من المعادلة الرئيسية الحاكمة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتتحول إلى دولة أمنية أو غنائمية أو أي شيء آخر ولكن ليست دولة المواطنة. فدولة المواطنة تقوم على المساواة بين المواطنين دون تمييز عرقي أو إثني أو قبلي أو طائفي، وعلى الحرية التي تمارس على الأرض بحماية الدستور والقانون، وعلى المشاركة السياسية للمواطن في اتخاذ القرار السياسي وصياغة استراتيجيات بلاده في شتى نواحي الحياة وأهمها الاستراتيجيات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما تقوم دولة المواطنة على العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة، وباختصار فإن دولة المواطنة هي دولة الحقوق والواجبات.
مع الأسف الشديد وصل المواطن العربي في بعض الدول إلى مرحلة من الاحتقان وانتابه الشك في طبيعة العقد الاجتماعي الذي يربطه بالدولة، حسب ما أكد عليه الأمير الحسن بن طلال، الذي يذهب إلى التأكيد على تراخي ثقة المواطن العربي في الدولة بمفهومها الرسمي، أو الخاص، أو المدني. وربما توصل النظام في مصر إلى هذه الخلاصة بعد ثورة 30 يونيو 2013، عندما شدد رئيس الوزراء المصري د. حازم ببلاوي على هذه الثغرات «الدفرسوارية» بالقول «نحن نهدف إلى خلق دولة أساسها المواطنة والمساواة بين المواطنين أمام القانون واحترام حقوق الإنسان، وتحقيق الديمقراطية من خلال هذه المرحلة اﻻنتقالية التي يتم فيها تغيير الدستور وتتاح حرية تشكيل الأحزاب والنقابات وغيرها من انتخابات برلمانية».
وبسبب غياب دولة المواطنة، تفشت ظواهر خطيرة في المجتمعات العربية أهمها العودة للهويات الفرعية كالطائفة والمذهب والإثنية، وتزايد الخوف من الآخر في ظل التشبع بهكذا هويات غيبت الوطن في صراعاتها، وراحت تبحث عن محاصصات على مقاساتها، فدمرت الحالة الجنينية لمؤسسات المجتمع المدني، حتى أصبحت الدولة المدنية الديمقراطية منالاً صعباً يحتاج إلى رافعات عملاقة لكي تجسده على الأرض.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٥٠) صفحة (١٢) بتاريخ (١٤-٠٩-٢٠١٣)