لا أدري إن كانت وزارة الثقافة والإعلام جادة في الاستفادة من حزمة الاقتراحات والملاحظات والانتقادات التي طرحها المثقفون والمهتمون بصنعة الأدب أثناء وبعد مؤتمر الأدباء السعوديين الرابع، المنعقد مؤخراً في رحاب المدينة المنورة، أم أنها ستقفل عينيها وتصم أذنيها لحين عقد مؤتمر خامس وسادس وهكذا لتنهال الانتقادات مرة ثانية وثالثة؟ وفي واقع الأمر أن كثيراً من الملاحظات جوهرية ومنطقية والوزارة قادرة على تفعيلها بما لديها من مخصصات مالية مثلها مثل الوزارات الأخرى.
ومن بين الاقتراحات:
أولاً: إنشاء مراكز ثقافية كبديل مناسب عن الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون، وهذا يتوافق مع معطيات العصر ومواكبة تقنياته، وجمعهما تحت قبة واحدة، وهذا الاقتراح مطروح منذ سنوات، والوزارة كما نظن متمكنة من إعداد اللوائح التنظيمية بالتعاون مع المثقفين والأدباء على مستوى الوطن، وقادرة أيضاً على إنشاء المقرات المناسبة التي تحقق أهداف ورسالة المراكز، فلا يمكن فصل الأدب عن الفن فهما شيء واحد، ومبرر هذا الاقتراح شُح الحضور للبرامج والأنشطة والفعاليات التي تنظمها الأندية الأدبية، وكذلك جمعيات الثقافة والفنون رغم ما تقوم به من جهود كبيرة في التخطيط والتنفيذ، وصرف أموال طائلة، إلا أن الحضور -مع الأسف- هم المشاركون في طرح أوراق العمل، وقد لمستُ وشاهدتُ ذلك في أكثر من ملتقى، فلمَ إذاً تصرف الأندية هذه المبالغ الكبيرة والحضور لا يتعدى ثلة قليلة من المشاركين مع عدد من أعضاء مجلس الإدارة؟! ومن الأسباب التي باعدت بين أطياف المجتمع وبين الأندية تخصُّصية المواضيع، حيث تهم شريحة محدودة من المجتمع، تصلح تلك الدراسات لأن تُطرح في أروقة الجامعات للمتخصصين، ليتفاعلوا معها ويُثروها، وبما أن المراكز الثقافية المقترحة ستضُم شرائح وأطيافاً متعددة فمن الجميل اختيار مواضيع تهم الجميع ليتم التداول حولها، فالثقافة أبوابها واسعة.
ثانياً: افتقار الوزارة لقاعدة بيانات متكاملة تضم أسماء الأدباء والمثقفين الموجودين في مدن ومناطق المملكة، وهذا الذي يزيد من تأزيم المواقف وكثرة الانتقادات بأن الدعوة أغفلت أسماء كثيرين، وهذا عين الحقيقة، ولو نظرنا إلى ما حولنا لوجدنا أن الأسماء مكررة، فيما يوجد كثيرون من المشتغلين بالأدب لم تلتفت الوزارة إليهم، ولن تلتفت ما دامت قائمة الأسماء (اللستة) موجودة في أدراجها، ولا تكلف نفسها عناء البحث، بل تكرر الدعوات لذات الأسماء في معظم الملتقيات ومعارض الكتاب، وهذا يزيد الاحتقان من المهملين والمنسيين من الدعوة، وهذا الذي تداوله المثقفون عبر تويتر وفيسبوك، يا ليت الوزارة تكون عادلة ومنصفة في هذا الجانب وتُبادر إلى تأسيس قاعدة بيانات متكاملة لجميع أسماء المثقفين والمثقفات، الأدباء والأديبات، ويتم تجديدها سنوياً لإضافة أسماء أخرى، وأظن أن من حقهم وصول الدعوة إليهم ليشاركوا ويُثروا الساحة الأدبية برؤاهم..
ثالثاً: ضرورة تشكيل لجنة استشارية أعضاؤها من أكاديمي الجامعات السعودية ومن البارزين في الأدب بجميع أجناسه، وما قام به قسم اللغة العربية في جامعة الملك سعود يستحق الشكر والتقدير، إلا أن هناك كفاءات عالية جداً يمكن الاستفادة منها، وهذا يزيد من توسيع دائرة المشاركة، وشيء بديهي أن تكون الفائدة أكبر.
رابعاً: توسيع نطاق مقار عقد المؤتمرات، فالمملكة واسعة الأرجاء مترامية الأطراف متنوعة التضاريس بين الجبل والسهل والبحر والرمال، ومثلما ابتهج كثيرون باختيار مقر المؤتمر الرابع في مدينة النور (المدينة المنورة) على اعتبار أنها عاصمة الإسلام الأولى حيث يشعُّ النور من رحابها، فهناك مناطق أخرى تتطلع إلى أن تحتضن مثل هذه المؤتمرات، ويمكن اختيار المواقع بحسب ملاءمة الظروف المناخية، ففي فصل الصيف يمكن اختيار مناطق الاصطياف كالطائف والباحة وأبها ونجران لما تتميز به من أجواء عليلة ونسمات باردة ومناظر خلابة، تشجيعاً للسياحة الداخلية ودعماً للاقتصاد الوطني، فيما تكون المدن الساحلية مناسبة لعقد اللقاءات فيها خلال فصلي الربيع والشتاء، سواء على الساحل الشرقي أم جازان أو في حائل والقصيم والجوف وغيرها، وبهذا تتيح الوزارة الفرصة لمثقفي المناطق للحضور والمشاركة، مما يساعد على إثراء وازدهار الثقافة لدينا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٥٢) صفحة (١٢) بتاريخ (١٦-٠٩-٢٠١٣)