«رسام المعارك».. صورة الحرب بين ريشة الفنان وجراح الجنود

طباعة التعليقات

غلاف الرواية

منال الشريفكاتبة سعودية

الكتاب: رسام المعارك
المؤلف: آرتورو بيريز ريفرتي
الناشر: دار الكتاب العربي – 2013

يقول المؤلف الذي عمل فترة طويلة مراسلاً حربياً للتليفزيون الإسباني في بداية الرواية على لسان إحدى الشخصيات «نرى أن العالم لم يعد يفكر في الموت. إن الاعتقاد بأننا لن نموت يجعلنا ضعيفين وأكثر شراً».

المؤلف آرتورو ريفرتي

المؤلف آرتورو ريفرتي

تطرح الرواية إشكالية الحرب وتأثيرها في الإنسان –أو تأثير الإنسان فيها- مُعالجة تفاصيل الحرب في عقدة الرواية التي تتمثل في لوحة جدارية يقوم بطل الرواية (فاولكويس) برسمها مستلهماً مشاهد ثلاثين سنة قضاها مصوراً صحفياً للحروب ما بين قبرص، فيتنام، لبنان، كمبوديا، الحبشة، سلفادور، نيكاراغوا، أنغولا، الموزامبيق، العراق، البلقان.. ومستعيناً بدراساته المكثفة للوحات فنية تصور مشاهد الحروب عبر التاريخ. لوحات شهيرة لكويانس، فورتوني، ستوم، أوتشيلو، وغويا الذي «لم يرَ أي شخص الحرب كما فعل ولم يقترب أحد من شر الإنسان إلى هذا الحد سواه».

يهجر فاولكويس مهنة الرسم التي اتخذها في بداية حياته بعد دراسته الهندسة المعمارية والفنون، ليلتحق بمهنة التصوير الصحفي مدفوعاً برغبته في فهم تشابك ما يسميه بشبكة التطريز التي تربط الحياة وأحداثها وشخوصها من حولنا وتتحكم في مصائرنا، بنظام دقيق لا تترك فيه المصادفة كبير تأثير. إن شبكة التطريز الهندسية تصبح «أكثر وضوحاً في الحرب على كل حال إنها الحياة المَعيشة في حدتها.. ما من شيء غير موجود في السلام بكميات أصغر». ففي الحرب يبدو البشر في ذروة طبيعتهم بعيداً عن الزيف الذي تحملهم المدنية على اكتسابه.

لكن بطل الرواية بعد ثلاثين سنة من العمل كمصور للحروب لا يلبث أن يعود إلى ما هجره في بداية حياته إلى الرسم. وقد ارتبط مصيره بالظلال التي عكستها على حياته تلك المرأة التي تركها وراءه في حرب البلقان قتيلة على طريق جانبي. مختاراً العزلة والابتعاد عن كل ما كان يربطه بحياته القديمة، مكرساً كل وقته في رسم هذه اللوحة الجدراية التي تشكل برمزيتها بطلاً آخر يلعب دوره في هذه الرواية. «إنني أرسم الصورة التي لم أتمكن من التقاطها». يقوم البطل برسمها على جدار داخلي لبرج قديم آخذة التشققات فيه طريقها إلى اللوحة، متزايدة وتيرتها في الاتساع مع اقتراب اكتمال اللوحة «وقد كان الهدف منها واضحاً لم تكن مُعدة لتبقى إلى الأبد أو لتعرض أمام الجمهور».

مع استغراق الرسام في عمله يلتقي بأحد الأشخاص الذين كانوا موضوعاً لعدسته بوصفه مصوراً. لقد أوصلت نظرة الألم في عيني هذا الذي كان في السابق جندياً كرواتياً لتكون صورته غلافاً لمجلات عالمية فيما بعد. «هناك أجوبة تحتاج إليها أنت بقدر ما أنا بحاجة إليها… قبل أن أقتلك» هكذا يفتتح الجندي السابق الذي ظهر من ماضي الرسام حديثه، ليكون ذلك اللقاء بداية لقاءات أخرى تتكرر بينهم يسعى فيها الجندي القديم لفهم ما يدور في ذهن الرسام. تدور أحاديثهما حول فكرة الحرب والإنسان المحارب، حول الإنسان المعذَّب والإنسان المعذِّب. مع تكرار لقاءاتهم الغريبة التي كانت تتخلل فترات عمل الرسام على اللوحة الجدارية، وذاك التهديد بالقتل الذي يزيد الموقف غرابة، يبدو كل منهما قادراً على فهم الآخر بشكل غريب، ويتفاجأ الرسام بأنه قد بدأ يفهم لوحته أيضاً وما الذي ينقصها لتكتمل. مستسلماً لتأثير أحاديث الجندي السابق وأسئلته الدقيقة، للاستغراق بصمت في ذكريات علاقته بالمرأة التي أحبها (أولفيدو) التي يعني اسمها النسيان، وتفاصيل كل خطوة في حياتها اتخذتها على شبكة التطريز إلى موتها الذي تتكشف أسراره مع اقتراب الرواية من نهايتها.

«لِمَ ترسم ما سبق وقام به أحدهم على وجه أفضل؟» يجيب بطل الرواية على هذا السؤال الذي وُجه إليه بقوله: «على كل امرئ أن يرسم قسمه… قبل أن يموت لا يجب على أي شخص أن يغادر من دون أن يترك وراءه طروادة مشتعلة».
محللاً عشرات الصور التي التقطها رسام المعارك لوجوه بشرية في حروب دارت رحاها في أماكن مختلفة من العالم، ومحاولاً فك شفرات عشرات اللوحات الشهيرة التي كانت الحرب محورها، المعروضة في متاحف عالمية في عواصم ومدن حول العالم. منغمساً في عمق الحرب والإنسان والشر والحب وألغاز الحياة غير المنتهية والمنتظمة على شبكة التطريز الهندسية، يبني الروائي الإسباني (ريفرتي) عالم روايته «رسام المعارك».

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٥٤) صفحة (٢٠) بتاريخ (١٨-٠٩-٢٠١٣)