في حلب القديمة تجسِّد دار مار إلياس للعجزة من المسيحيين قيم سوريا الجديدة، هذه الدار التي تأسست قبل قرنٍ ونصف تتحدى نظام بشار الأسد وما يطلقه من «دعايةٍ سوداء».
مسيحيو مار إلياس يدافعون بكل اقتناع عن الجيش الحر والثورة السورية، يؤكدون أن مقاتلي المعارضة لا يقتلونهم وإنما يحمونهم ويزوِّدونهم باحتياجاتهم اليومية ولا يجبرونهم على اعتناق أفكارٍ بعينها.
في مار إلياس تسأل العجوز المسيحية جورجيت: إذا كانوا يريدون قتلنا فلِمَ يحموننا؟.. علاقة جورجيت ومن يقطنون معها دار العجزة بـ «أبو عمار»، القيادي في لواء التوحيد بحلب، تبدو مثالية، فهو يسهر مع رجاله على حمايتهم ويوفر لهم الخبز والطحين، لذا يبادلونه مشاعرَ إيجابية ويثقون في نياته مع بعض الحذر.
وبحسب ما نشرته وكالة الأنباء الفرنسية أمس، يبدو مسيحيو حلب مطمئنين إلى الجيش الحر غير آبهين بروايات النظام، الذي يقدم نفسه كحامٍ للأقليات، من تنكيل المعارضة بالأقلية المسيحية.
أدرك مسيحيو مار إلياس أن من ينكِّل بالسوريين ويقتل على الهوية ويزرع الفتنة الطائفية هو الأسد، أيقنوا أن قضيتهم هي قضية كل سوري وأن مصيرهم واحد وهو الخلاص من هذا النظام والتمكين لثورة تحمل مشروعاً وطنياً وتدعو إلى التأسيس لدولة مواطنة لا تفرق بين السوريين على أساسٍ ديني أو طائفي.
هذا الوعي هو الضامن الأول لاستمرار الثورة، وكلما زادت درجة الوعي ارتفع معدل التفاف السوريين حول المشروع الثوري.
إن ما يجري في حلب نموذج لسوريا المستقبل التي تتمناها قوى الثورة، ولعل هذا النموذج يدعو إلى التفاؤل ويقلل من المخاوف من اقتتال أهلي في مرحلة ما بعد الأسد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٥٧) صفحة (١٣) بتاريخ (٢١-٠٩-٢٠١٣)