من يتابع الإعلام المصري بمختلف أدواته ووسائله، يلاحظ حجم التحديات التي تواجه الدولة بعد إسقاط حكم الإخوان المسلمين وصعود القيادة الجديدة بدعم مباشر من حركة تمرد والجيش المصري الذي أعلن مبادرات وخارطة طريق تبدأ بصياغة دستورية جديدة ولاتنتهي بالانتخابات النيابية والرئاسية. فمصر منشغلة منذ عدة أشهر بترتيب بيتها الداخلي الذي يعاني، ووصل إلى مستويات متدنية لناحية المستوى المعيشي المتدني والديون التي تراكمت والبطالة التي تضاعفت والاستثمارات التي هربت أو تم تهريبها أيام حكم الإخوان الذي لم يتجاوز العام الواحد. المسؤولون المصريون الجدد تقلقهم حالة سعر صرف الجنيه، الذي تدنى إلى مستويات مقلقة مما زاد من نسبة التضخم وتراجع القدرة الشرائية لمواطنين يستوردون أغلب ما يستهلكون، حالهم حال إخوتهم في البلدان العربية.
مايجري في مصر اليوم هو إعادة تركيب الدولة وتشييدها واستعادة دورها المركزي في الوطن العربي، بيد أن صعوبات داخلية وخارجية تواجه الحكم الجديد، يأتي على رأسها كيفية التعاطي مع الجماعات المتطرفة التي تحاول إغراق الجيش المصري في رمال صحراء سيناء المتحركة بعمليات عسكرية يراد منها استنزاف الجيش وتوريطه في عمليات تتعمق مع الوقت حتى تصل إلى ما وصلت إليه الجيوش الليبية والسورية واليمنية إلى حد ما. بمعنى، أن يقظة الجيش ضرورة لتفادي وقوعه في فخ التفتت. فالوضع قابل للتصعيد مع زيادة ضربات الجماعات المسلحة الموجهة إلى الجيش المصري الذي يبدو أنه جاد في معالجة الأمر ليس بالنسبة للجماعات فحسب، بل بتمدده، بطبيعة الحال إلى «المخزن» في قطاع غزة، حيث التوتر على أشده بين حكومة حماس وبين الحكومة المصرية على خلفية اتهامات توجهها الأخيرة للحركة بأنها وراء تسليح الجماعات المسلحة التي تقتل أفراد الجيش المصري وتنظم تفجيرات إرهابية. هذا التوتر تصاعد ليصل إلى موضوعة الأنفاق التي تُعد شريان الحياة للقطاع في ظل الحصار الصهيوني، والرئة التي يتنفس منها الشعب الفسطيني خبزاً وطحيناً وأشياء أخرى. هنا تبدو حالة الإرباك. فالشعب الفلسطيني الذي يعاني الأمرين بسبب الحصار يعتمد في كل شيء على مصر، سواء من خلال معبر رفح الذي ينبغي معالجة أمره أو من خلال الأنفاق، وحين تحتدم المواجهة فإن هذا الشعب هو الذي سيدفع الثمن، وهذا أمر تدركه القيادة المصرية جيداً.
إن حركة حماس بحاجة إلى إعادة قراءة المشهد، فهي خسرت كثيراً عندما اختالت بتحالفها مع إخوان مصر وتمادت في الاعتماد عليهم، وكأن الشعب الفلسطينيو موجود فقط في قطاع غزة، وأنه لايعنيها فلسطينيي الشتات الذين يتعرضون اليوم لنكبة جديدة في مخيماتهم بسوريا، وقد يمتد الأمر إلى مخيمات لبنان، فيما تعاني الضفة الغربية ظروفاً لاتقل كثيراً عما يتعرض له أشقاؤهم في القطاع. على حركة حماس أن تدرك أن عصر إخوان مصر قد ضمر بسبب أسلوب حكمهم، ويبدو أن الحركة في القطاع في طور الضمور بسبب فرض آرائها على مجاميع الشعب الفلسطيني الذي ينتمي إلى تيارات وأفكار متنوعة ويرفض اللون السياسي والفكري الواحد.
وفي المقلب الداخلي، لايبدو أن جماعة الإخوان المسلمين في طريقها للتسليم بالأمر الواقع على الرغم من إعلان حالة الطوارئ وتمديدها في محاولة من الحكم الجديد لإعادة الاستقرار والسلم الأهلي المفقود. فمصر تزخر يومياً بالقضايا الأمنية والسياسية التي جاءت على خلفية إسقاط حكم الإخوان المسلمين، تبدأ بالحبس لعدة سنوات لكاسري حظر التجول، وتمتد إلى الغرامات المالية والحبس لممولي المظاهرات، لتصل إلى التحفظ ومصادرة أموال زعامات الجماعة، فضلاً عن الاعتقالات المستمرة في صفوف أنصار الحكم السابق والجماعات المسلحة. في هذه الأثناء يبحث رئيس الوزراء الدكتور حازم الببلاوي عن طرق جديدة لجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية من أجل تأمين فرص عمل جديدة للمصريين، ومن أجل الاستقرار المالي وزيادة الاحتياطي النقدي الذي تآكل بعد ثورة 25 يناير، وبدأ يكسب بعض النقاط التي خسرها مع الحكم الجديد، خصوصاً الدعم المالي الذي قدمته دول مجلس التعاون الخليجي. يضاف إلى ذلك الجهود المطلوبة لإعادة المصانع المتعثرة إلى سكتها الصحيحة، وهي تحتاج إلى مئات الملايين من الجنيهات المصرية لكي تنجح عملية الإنقاذ التي يقودها وزير التجارة منير فخري عبدالنور.
ربما تحتاج مصر المثقلة بهموم داخلية، إلى تسريع إعادة تركيب الدولة، لتشييد الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، التي تقوم على أساس احترام الشرعية الدولية وركيزتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. كما تحتاج إلى دستور عصري تجرى مناقشته الآن، وتتجاذب أطراف متباينة الجدل الدائر حول طبيعة النظام: برلماني أم رئاسي.
عين الجيش والنظام الجديد اليوم على سيناء وعلى الجماعات الإسلامية المسلحة التي تريد تشييد الإمارات الإسلامية على طراز أفغانستان، والعين على قطاع غزة بسبب الاشتباه. وعلى الداخل حيث لايزال الإخوان يحلمون بعودة دولتهم التي تبددت بأخطائهم القاتلة. وبين هذا الهم الذي يثقل كاهل القيادة المصرية وبين تحسين مستوى معيشة المواطن تبدو التحديات أكبر مما يتوقعه كثيرون.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٥٨) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٢-٠٩-٢٠١٣)