رغم الجديد، في مقال الرئيس الإيراني حسن روحاني، المنشور في صحيفة واشنطن بوست، الذي أعادت نشره صحيفة الشرق الأوسط، بتاريخ 21 أيلول/ سبتمبر الجاري، فإن هناك من يميل إلى أن الشمس الإيرانية لا يمكنها أن تحمل جديداً. فهذا الجديد في حاجة إلى خارطة جديدة للسلطة والقرار، وسند فعلي للمبادرات، بحيث يسهل ترميم ما تصدع من ثقة مع جميع الأطراف المعنية. وتبعا لذلك، هل يتسم المقال بمبرراته السياسية أم هو مجرد تعبير عن مناورة تحجب أكثر مما تكشف؟
الرئيس الإيراني جاء إلى السلطة بوعود التهدئة، وها هو يفتتح عهده بحزمة من المبادرات الديبلوماسية والرسائل الودية المبشرة بالسلام والاعتدال، والموجهة إلى دول الجوار والعالم. هذه الرسائل تحمل التهدئة بوضوح، فالمطلوب هو تعزيز الثقة والعلاقات، وطي صفحة التوتر، وديبلوماسية الخطابات الحماسية «المجلجلة» التي كان يتبعها سلفه.
يبدأ الرئيس روحاني مقاله، بواقعة التفويض الشعبي لبرنامجه الانتخابي، البرنامج الذي حمل عنواناً مكتظاً بالدلالات في سياق التحول الديبلوماسي. «الحكمة والأمل» عنوان مريح، لسياسة منهكة بعهد طويل من المواجهة مع الغرب، والقطيعة مع دول الجوار. فالرئيس يقدم ذاته كمخلص، لإنقاذ إيران من التركة الثقيلة لعهد من الحماسة «النجادية»، العهد الثقيل بكل يافطاته الدعائية الصاخبة ولكن المفتقرة إلى دهاء السياسي وحكمة القنصل.
المبادرات تحظى بسندها الضروري في مطبخ القرار الإيراني، فالمرشد الأعلى لوح بـ«مرونة بطولية»، يجب أن تتسم بها إيران، وإن على مضض، وهو الموقف الذي حسم تردد المشككين بجدية التحول الديبلوماسي. تلويح المرشد، الماسك بزمام القرار بكل ثوابته، على التوجه الناعم والملطف والمرن لسياسة خارجية أخوية وودية حتى مع الخصم الأمريكي، في لفتة تذكر بسلام الشجعان كما يسميه ياسر عرفات، لدليل مؤكد على جدية الموقف.
لكن مع ذلك، ثمة من يرى أن كل تلك المؤشرات والرسائل والمبادرات، وحتى اللقاءات المزمعة مع صناع السياسة الأمريكية، ليست سوى يافطات متنوعة للتعبير عن رغبة أساسية، هي إنعاش الاقتصاد الإيراني، إذ الواضح أن الشمس الإيرانية لا تجازف بثوابتها، خاصة فيما يتعلق بملفات عديدة، هي محل خلاف مع الآخر الأمريكي، كالملف النووي، والشأن السوري، وعملية السلام في الشرق الأوسط. ومن غير المرجح حصول أي تسوية أو صفقة على حساب هذه الملفات الحساسة، مما يؤكد وجهة النظر التي تفسر التحول كمناورة أو تكتيك يأتي في سياق الأولوية الاقتصادية، ضمن مقاربة غير ممكنة دون المرور بمعالجة السياسة والعلاقات الخارجية.
الصانع الأساسي للقرار في إيران يدرك تماماً التأرجح التاريخي في العلاقات مع الغرب، خاصة الولايات المتحدة. إنه تاريخ ليس نظيفاً من التآمر العدائي، واللعبة المسلية للقط والفأر. ثمة شيء آخر إلى جانب العداء المستحكم، الذي يجد تجلياته في مناورات استخباراتية، أو حروب غير مباشرة، كما حدث مع الحكومة المنتخبة التي أطاحتها وكالة الاستخبارات المركزية «CIA» أو الصراعات المندرجة ضمن استراتيجية «الاحتواء المزدوج»، التي تبنتها الولايات المتحدة، وصولا إلى العداء الصريح حين كانت أمريكا «الشيطان الأكبر»، وحين كانت إيران دولة من محور الشر. إلى جانب كل هذا، ثمة خيط ناظم لأواصر شبه وقواسم مشتركة، رغم كل ضجيج الخلاف وأصداء المعركة.
فإذا كان العهد النجادي شهيراً بتطرفه وإنكاره للهولوكوست، فإن المحافظين الجدد، هم الوجه الأمريكي المعادل، لسياسة لا تقل تطرفاً.. سياسة مسكونة بأساطير ويوتوبيا تسللت على غفلة من الغرب السياسي المتبجح بعقلانيته.. المحافظون الجدد حصيلة لتروتسكية ضائعة ومعدلة، هدفها الأساسي تشييد أيديولوجيا لقيطة لا تشبه الأصل، تمزج العولمة بهياج وزعيق ثوري دائم، وكل ذلك ضمن إحالة واضحة للحاضنة التروتسكية الأم.
ولأن القيم الأمريكية هي القيم بأداة التعريف، أي القيم الواجب تعمميها كقيم عالمية، فإن الأصل التروتيسكي سيجد ترجمته في مشروع طموح للتصدير، في مقابلة واضحة للهوس الثوري على الضفة الأخرى من الخليج، المتهمة دائماً بنزوعها للتوسع والتجاوز والتعميم، وبالطبع فإن المشروع الأمريكي للمحافظين الجدد لن يكتمل دون حقنه بجرعات أسطورية، مستمدة من اليمين المسيحي هذه المرة، فالحرب المعممة ضمن عقيدة بوش ومنظريه من المحافظين الجدد، هي الوسيلة المثلى لجعل العالم يركع لاستجداء «الماشياك»، المخلص العالمي والصديق الحميم للابن المدلل في الشرق الأوسط، الذي يمثل ثابت الثوابت في السياسة الأمريكية.
وفيما يتصف هذا الشكل من العلاقة بالعداء المتماهي حد التقارب «الأخوي» للصديق/ العدو، حيث التطرف العابر للحضارات هو العامل الأساسي في سياسة لا تنتج سوى مزيد من التأزيم، بين أطراف تربح دائماً على حساب أطراف لا تربح أبدا سوى الأصفار، كما يشير روحاني في مقاله، فإن الاعتدال ينتج مثيله، كما يلوح للأكثر تشاؤماً بين المراقبين. ذاك أن أمريكا اليوم، كما هي إيران تماماً معنية بانتهاج سياسة واقعية، سياسة مجافية للتروتسكية المشوهة بنسختها اليمينية والمرتكزة على طوباوية «أمركة العالم»، والاستفراد به، وإحالته إلى مسرح لشكل رديء للثورة المفتوحة، أو الانتفاضة المتواصلة والمستمرة التي يحد من بريقها التغييري تأويل شرس لـ«الفوضى الخلاقة»، المبدأ المفضل في عقيدة المحافظين الجدد.
تعب الخصمان من مصارعة الديكة.. اللحظة لحظة حمائم، والظروف المحلية والدولية لا تحتمل المجازفات، كالتي اعتمدها بوش واليمين المحافظ، الواقع يضغط أكثر لانتهاج سياسة نحيلة، سياسة الحد من الثوابت. إن السياسة الواقعية المكيافيلية، خيار صعب، لكنه ضروري، لديبلوماسية تعثرت طويلاً، فأوباما المكيافيلي هو المكافئ لروحاني المعتدل، الذي يدرك تماماً، كما يدرك المرشد من ورائه، أن إيران اليوم مدعوة لطي الصفحة الحماسية والشعبوية للخطاب النجادي، نحو سياسة تأخذ بالأسباب الموضوعية، وتلعب على الممكن والمتاح، أي تلك السياسة الواقعية التي يسميها المرشد الإيراني: مرونة الأبطال.. وبينها وبين سياسة سمينة بثوابتها، تظل الأسئلة معلقة بانتظار ما يجود به الزمن.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٦٣) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٧-٠٩-٢٠١٣)