الإعلام والتنمية وجهان لعملة واحدة فهما متلازمان مترابطان مكملان لبعضهما، ولا يمكن أن تنهض أمة دون إعلام صادق نزيه متجرد من العواطف بعيداً عن الأيديولوجيات التي تُسيره، لأن من أولويات أهدافه التنوير والتثقيف والتبصير وإعطاء الحقائق، أما التنمية فتلك التي ترفع سقف النمو الاقتصادي والمعرفي والثقافي والتعليمي والصحي والأمني فالعلاقة بينهما علاقة طردية وكل عنصر يرفع من شأن الآخر. ومتى كان الإعلام على قدر عال من المنهجية العلمية والطرح المتوازن ستكون ثمرته جيدة وخدمته حاصلة ينعكس تأثيره على تفاصيل الحياة المعيشية وبالتالي يزيد من معدلات التنمية.
وشيء بديهي التنمية تحتاج لوعي مجتمعي بالدرجة الأولى وهذا الذي يصنعه الإعلام المبني على بناء خطط مدروسة ووعي كامل بمفهوم ورسالة الإعلام وتوفير تجهيزات تقنية حديثة وتدريب مكثف للقائمين به.
الإعلام مثله مثل غيره يتطور ويتنامى فما كان رائجاً في أزمنة قديمة بقرع الطبول ونفخ المزامير وإشعال النيران من أجل إخبار الناس وإيصال الرسالة، أصبح الإعلام يغزونا من كافة أصقاع الدنيا بل أصبح الشريك الأساس لكل فرد لا أحد يستطيع أن ينفك عنه حتى لو ذهب إلى جزيرة معزولة أو موقع ناءٍ.. الإعلام يتسلل من مسامات جلودنا، ويشاركنا طعامنا وشرابنا ولباسنا بل حتى أحلامنا، فالخبر الذي كان يحتاج إلى زمن طويل ليصل من قرية إلى قرية مجاورة، أصبح مع وسائل الإعلام الحديثة يصل بسرعة البرق، حيث قرب المسافات المكانية، أصبح خطيراً ومهماً ومطلوباً ولا غنى عنه، والسؤال المهم كيف نستطيع أن نوظفه لخدمة الإنسان؟ ليحيل الموجودات التي حوله إلى نماء وازدهار إلى تنمية حقيقية، ورغم أن الإعلام أصبح مكشوفاً ولم يعد هناك ستائر لا حديدية أو حتى قماشية ما زالت -مع الأسف- بعض وسائل الإعلام تواصل أسلوبها التضليلي بنشر الخبر المكذوب والتقرير المزيف والصورة الخادعة والرأي المائل، وكأنه يمارس عمله في كوكب آخر، وتجاهل الوعي الذي يمتلكه الناس والقدرة على التمييز بين الغث والسمين، هذا النوع من الإعلام مصاب بالعلل والترهل، حيث تجاهل قدرة الإنسان وفي أي قارة من قارات الدنيا السبع -سواء في دول متقدمة أم نامية- اختيار ما شاء له وما يتناسب مع ذوقه ويشبع رغباته ويرضي تطلعاته وينسجم مع ذائقته، فقط عن طريق ضغطة زر ليشيح عن الوجه الكالح لبعض القنوات الفضائية، لتذهب إلى غير رجعة.
مما يزيد الإعلام النزيه الصادق المحايد أهمية في كونه مرتبطاً بالإنسان الذي يُعد المحرك الأساس لكل عناصر التنمية، فهو يلامس عقله ومشاعره وعواطفه فضلا عن مزاياه -أي الإعلام- في الترفيه عن جميع شرائح المجتمع وتهيئة الفرصة لهم الاستفادة من الوقت دون تفريط، ولا يقتصر دوره على الأفراد فقط بل تمتد أهميته إلى الجماعات حيث يُعبر عن آرائهم وتطلعاتهم وآمالهم. ونظراً لهذا الدور العظيم للإعلام ينبغي مراعاة المستجدات الحياتية وشبكة العلاقات الدولية والإقليمية ليبقى على مستوى التحديات قادراً على المنافسة الحقيقية مؤدياً دوره المتشعب في التوعية والرقابة والنقد ومساعدة المجتمع في صناعة القرار.
ولو دققنا النظر في بعض القنوات الفضائية التي حولنا لوجدنا أن برامجها وتغطياتها موجهة بما يتناسب مع التوجهات السياسية للدول التي تحتوي القناة وتمولها، والطامة الكبرى ادعاؤها بتقديم الحقيقة ولم تدرك أنها تجيد التزوير والتضليل بتقديم الدعاية المجانية الممجوجة عن نفسها، وربما تُصدق الكذبة التي تقوم بها، علما أن المشاهد بما لديه من حصافة وفطنة ووعي يدرك الخلط العجيب والتخبطات التي تقع فيها.
الوسيلة الإعلامية الصادقة تُقدم الخبر كما هو مدعما بالصور ولجميع الأطراف دون تحيز وتعاطف مع فئة ضد أخرى، المشاهد شريك فعلي وليس تابعا وهامشيا، ولا يمكن أن يأنس بالتحليل المفروض عليه المائل لكفة بحسب الأهواء السياسية والأيديولوجية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٦٦) صفحة (١٢) بتاريخ (٣٠-٠٩-٢٠١٣)