تجذبك بعض الأحيان برامج تليفزيونية ذات مستوى رفيع في الطرح والنقاش والإخراج ونوعية المواضيع واختيار الضيوف، حيث تعكس تلك البرامج صورة حقيقية للعمل الجاد والوطني الخالي من التزلُّف أو المداهنة، وأن الهدف المنشود منها هو الإصلاح أو التطوير أو بناء الوعي.
وعكس ذلك تشاهد برامج باهتة في طرحها ومواضيعها، وشبه عادية، وربما تكون أقرب إلى الرداءة في العمل التليفزيوني، ومع ذلك يستمر عرضها،
ويُختار لها الأوقات المفضلة «أوقات الذروة» للمشاهدة.
وهيئة الإذاعة والتليفزيون يقع عليها عبء كبير في إعداد واختيار البرامج النوعية ذات البعد الفكري والثقافي والاجتماعي المتميز، ومع بداية كل دورة جديدة للبرامج التليفزيونية ننتظر منها برامج تحمل في طياتها ما هو أجمل وأنفع لنا ولجيلنا خصوصاً الشباب منهم.
ما أنا بصدد الحديث عنه في هذا المقال هو برنامج «الخط الأبيض» الذي يقدمه الزميل المتألق دائماً الأستاذ: سعيد اليامي، هذا البرنامج يُعرض مباشرة كل يوم إثنين على قناة الثقافية في الفترة المسائية، وفكرة البرنامج جميلة جداً؛ لأنها تختص بالشباب وتناقش همومهم وطموحاتهم؛ فضيوف البرنامج هم من الشباب الباحثين عن عمل، ومن الشباب الذين نجحوا في تجاربهم العملية، وأصبحوا من طبقة أصحاب الأعمال، ومن المسؤولين من ذوي الاختصاص؛ حيث يصدِّرون تجاربهم إلى المجتمع، ويوضحون بعض الجوانب التي قد تساعد هؤلاء الشباب في الحصول على عمل خاص بهم يعينهم على بناء مستقبلهم وحياتهم.
كان آباؤنا وأجدادنا في العقود الماضية يمارسون مهنة البيع والشراء، ويتقنون مهناً من بعض الصناعات اليدوية وغيرها من الأعمال الشريفة التي تجلب لهم الرزق وتعينهم على متطلبات الحياة، إذاً ثقافة العمل كانت موجودة آنذاك لحاجة الناس إليها، ولكن مع الطفرة انحسرت هذه الثقافة وبدأت تتلاشى، ومال كثيرون إلى الدعة، وخلدوا إلى الراحة من خلال البحث عن الأعمال المكتبية حتى وإن كان الراتب زهيداً، وتركوا الأعمال التجارية من بيع وشراء للوافدين والمقيمين، وهي الأعمال التي تُدرُّ أرباحاً وفيرة، ففي التجارة بركة في الرزق. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «بورك لأمتي في بكورها»، وقيل أيضاً «تسعة أعشار الرزق في التجارة»، أي: من يصحو في الصباح الباكر، ويذهب ويشتري ويبيع فإنه سيكسب بمشيئة الله من هذه النسبة الكبيرة ما هو مُقدر له.
عودة إلى برنامج «الخط الأبيض» فإنني قد شاهدته عدة مرات، وسمعت تجارب الشباب الذين وفقهم الله ونجحوا في أعمالهم، ولعلي أذكر بعضاً منها؛ أحد الشباب ذكر في إحدى حلقات البرنامج أنه قَدِمَ من الولايات المتحدة بالدبلوم، بحث عن وظيفة ولكنه لم يوفق، وبعد ذلك تقدم إلى إحدى الشركات الكبيرة ولم تكن هناك سوى وظيفة «سائق رافعة» بمرتب زهيد قدره: ألفان وسبعمائة ريال، وذكر أن بيئة العمل في تلك الشركة هي التي جعلته يقبل بتلك الوظيفة، ويتابع سرد قصته: «وبعد أربع سنوات تطور وضعي للأفضل، وأصبحت أتقاضى راتباً قدره عشرون ألف ريال، وتحت إدارتي ما يقارب من (400) موظف»، ومع ذلك ترك عمله السابق وعمل لحسابه الخاص، وهو الآن من رجال الأعمال. وهذا دليل على تحمله وصبره على الشدائد حتى وصل إلى ما وصل إليه. وشاب آخر ذكر أنه عمل في شركة براتب قدره: ألفا ريال، وبعد فترة استقال من عمله وأنشأ مصنعاً كبيراً للشكولاتة صار يدر له أرباحاً وفيرة، هذه التجارب الناجحة تُدلل على فائدة الصبر والتحمل في البداية حتى يكتسب الإنسان خبرة عملية وتطويرية، وهؤلاء الشباب الناجحون ينصحون أقرانهم بأن يحلموا كباراً ويبدأوا صغاراً، هذا هو نموذج الشباب المتميز والطموح الذي نحتاج إليه ونسعى إلى الاهتمام به وتنشئته في مجتمعنا حتى يكون ثمرة ناجحة وغرساً مباركاً يسهم في تطوير المجتمع وتقدمه، ولابد من الجهات ذات العلاقة أن تدعم الشباب الباحثين عن عمل، وخصوصاً مجلس إدارة شباب الأعمال في الغرف التجارية، وأن تمد يد العون للشباب المبتدئين والمتحمسين الباحثين عن عمل خاص بهم يمكنهم من الاعتماد على أنفسهم وبناء مستقبلهم.
وهنا أدعو شبابنا إلى هجر الكسل والتخلص من كلمة «عيب» ما دام العمل شريفاً يكسبك المال الحلال، وأن يتعلموا من تجارب غيرهم ممن سبقوهم، وكانوا في بداية حياتهم عصاميين وكافحوا وتحملوا الشدائد حتى وصلوا إلى القمة دون استرخاء منهم أو تردد، وأنصح أغلب الشباب الطامحين بقراءة كتاب الشيخ سليمان الراجحي الذي صدر حديثاً بعنوان: «سليمان الراجحي.. منظومة حياة»، فسوف يجدون فيه الفائدة التي قد تعينهم في حياتهم العملية؛ لأن هذا الكتاب يحمل في طياته ومضامينه عصارة العقود الماضية لشخص كان عصامياً في بداية حياته واجهته كثير من المصاعب والمشاق والمتاعب حتى صار فيما بعد علماً من الأعلام التجارية في بلادنا.
عموماً فكرة البرنامج متميزة جداً، وذات فائدة كبيرة، بل إنني أرى أن هذا البرنامج يعبر عن روح الإعلام الحقيقية، التي تساهم في بناء المجتمعات وتوجه جهودها بشكل كبير إلى كل الشرائح، وتأخذ في حسابها أولويات الوطن الملحة، وعليه فإنني أقترح أن يعرض هذا البرنامج على القناة الأولى بدلاً من القناة الثقافية؛ لأن برامج القناة الثقافية عادة تهتم بالشأن الثقافي، وأن يعاد مرات عدة في الأسبوع بمختلف الأوقات لتعم الفائدة للجميع.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٧١) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٥-١٠-٢٠١٣)