عملان جميلان تقوم بهما الهيئة العامة للآثار والسياحة وهما إعادة تأهيل قرية ذي عين الأثرية وترميم وتأهيل قصر بالرقوش التاريخي.
وذي عين لمن لا يعرفها هي قرية تراثية أثرية بنيت من الحجارة على ربوة من صخور الجرانيت منذ ما يزيد على 600 سنة، الذي ساعد على استقرار السكان بها وجود عين جارية على مدار العام تنبجس من أحشاء الجبل المجاور لتسقي حقول الموز والكادي التي شكّلت غابة صغيرة تحيط بمنازل القرية تزيدها بهاء وجمالاً واخضراراً، والمباني الحجرية تتدرج بحسب منسوب الجبل الذي بُنيت عليه وتتفاوت في عدد طبقاتها وتُشكّل في مُجملها لوحة بانورامية تفوق ما يغدو في خَلد الرسام الماهر، وغدت القرية مزاراً سياحياً وتراثياً لكثير من العائلات السعودية والخليجية الذين يحرصون على زيارة القرية والاستمتاع بمشاهدة العمران التقليدي بها، والتلذذ بطعم الموز الذي تنتجه مزارعها ورائحة مضمومات الكادي اللذين -الموز والكادي- أصبحا رمزاً للقرية.
والجميل في القرية أن حكايات أسطورية نُسِجت حول العين الجارية بها وتقول: إن يمنيا عزم على أداء فريضة الحج وكان يحمل عصا مجوفة ملأها بنقود من الذهب، فكانت العصا ملازمة له ليل نهار، في منامه وترحاله، وأثناء سيره ماشياً على قدميه نحو مكة المكرمة، أراد أن يستحِم في إحدى آبار جبال السراة، ولشدة حرصه على العصا الثمينة أخذها في يده، وما أن سجا بجسمه على الماء حتى انسلت العصا من بين أصابعه لتغوص في جوف الماء بسبب الذهب المدسوس في جوفها، وحاول اللحاق بها إلا أنها غاصت في بئر ليس لها قاع.. وتضيف الأسطورة بأن الحاج اليمني لديه قدرة خارقة على مشاهدة القنوات المائية في باطن الأرض ليُتابع مسار عصاته التي استقرت خلف صخرة صلدة عند أقدام جبل السراة التي تُشرف على قرية ذي عين الحالية، وليقينه بعدم تمكنه من اختراق الصخرة الصلدة لمعت في ذهنه حيلة، وهي الاستعانة بأهالي القرية المجاورة للصخرة، وأفصح لهم عن وجود كنز ثمين في باطن الأرض يزيد من رواء الأرض واخضرارها وهو «الماء» واشترط عليهم شرطاً واحداً فقط، أخذ ما تدفعه المياه عند ثقب الصخرة الصماء، وافقوا على شرطه وبدأت المعاول تقد الصخر لأيام، وحين اقتربوا من الماء طلب منهم الابتعاد ليضمن القبض على العصا بالفعل انبجست المياه على شكل نافورة أفقية لتنطلق العصاء كالسهم نحو إحدى عينيه لتصاب بجرح غائر، أخذ عصاته والدم ينزف والألم يعتصره، حيث فقد ضوء إحدى عينيه، وهمّ بالرحيل، أثناء ذلك شكّوا فيه، أحدهم قال: بأنه ساحر وسوف ينضب الماء بعد مغادرته، وبعد مشاورات قرر اثنان منهم قتله في مكان ليس ببعيد عن نبع الماء، وتنتهي الأسطورة بأن الماء من حينها توقف في مكان سفك دمه.
هذه الأسطورة لا شك أنها تصلح كرواية تُوزع على زوار القرية أو مسرحية يمكن عرضها في الهواء الطلق في ساحة القرية الخارجية كنوع من الترفيه وربط جغرافية المكان بالتاريخ فالسكّان استقروا منذ مئات السنين ليبنوا لهم منازل تبقى على مر السنين، فيما تؤطر الأسطورة الأحداث التى مرت وربما كانت من نسج الخيال إلا أن توظيفها ثقافيا يزيد من قيمة المكان بأنها ليست فقط مباني حجرية رُضمت على سفح الجبل بل وأساطير وحكايات موغلة في القدم.
ولما كانت الهيئة العليا للسياحة والآثار قد نجحت في تنفيذ هذين المشروعين حيث يجري ترميم قصر بالرقوش التاريخي الذي سكنت فيه إحدى الأسر العريقة في المنطقة، فإن الهيئة أيضا تعتزم إعادة وهج سوق رغدان التاريخي الذي يقع في المنتصف الجغرافي بين غامد وزهران، ولم يقتصر دور السوق على الجانب الاقتصادي، بل وشمل الجانب الاجتماعي والثقافي والديني، الذي أتمناه أن تتولى إعادة بناء السوق الشعبي إحدى الشركات المتخصصة، ليتم فتح نافذة تاريخية لسوق دام قرونا وانطفأ، ويتطلب أيضا مساندة أمانة المنطقة بإنشاء طرق سهلة وسريعة إلى أحضان السوق، عندها سوف تنشط الحركة السياحية في ذات الموقع لقرب السوق من غابة رغدان الشهيرة، ووجود المتحف الذي يجري العمل به حالياً، هل تُبادر الهيئة بهذا العمل المهم؟ قبل أن تنطمس معالم سوق رغدان ونخسر موقعاً يمكن الاستفادة منه في تنشيط الحركة السياحية ورفدها اقتصاديا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٧٣) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٧-١٠-٢٠١٣)