يتعامل الإنسان مع الموجودات الطبيعية التي في محيط حياته ويوظفها لصالحه، فابن الجبل يطوِّع البيئة الصخرية والنباتية لينُشئ مبانيَ حجرية تقاوم عوامل التجوية لمئات السنين، وكذلك ابن الصحراء الذي يحيل الرمال إلى قلاعٍ ومبانٍ وأسوار منيعة، وينطبق الحال على ابن الساحل الذي يستفيد من الصخور البحرية «المنقبة» ليُقيم مباني وأسواراً وأسواقاً كما كان الحال في مدينة جدة والمدن الساحلية عموماً. وفي مناطق أخرى تكون المباني خليطاً ما بين الطين والحجر بتشكيلات متناسقة واستثمار أمثل للمكونات الطبيعية.
وفي سراة منطقة الباحة وتهامتها تميزت العمارة التقليدية بمزايا عديدة كالتناظر والتطابق والإيقاع، مع مراعاة حركة الشمس واتجاه الرياح والبعد عن مجاري الأودية، والاستفادة من السفوح الجبلية في بناء المصاطب الزراعية، وترك مساحات للطرقات والساحات والمساريب التي تفضي إلى المنازل والحقول. وجميع المباني القديمة بنيت من الحجارة التي قُدَّت من الصخور الجبلية بطريقة الرضم، مع تسقيف البيوت بجذوع أشجار العرعر؛ حيث يتم رصُّه بطريقة أفقية وشد بعضه ببعض وسد الفراغات ببعض أوراق الأشجار ومن ثم تغطيته بالطين، كما أن كامل السقف يتكئ على الزافر «المرزح»، وهو عبارة عن جذع شجرة ضخمة كدعامة قوية وسط المنزل، ويتفنن النجارون بوضع لمساتهم الفنية من نقوش يحفرونها بواسطة أدوات حديدية مع توثيق زمن البناء.
إلا أن المباني العمرانية لقرى الباحة تحولت حالياً إلى كرنفال من الأشكال والألوان والطرز المعمارية. فهي خليط ما بين العمارة الأوروبية والشرق آسيوية والمباني التقليدية، فغدت كلوحة فنان تشكيلي ضرب بفرشاته علبة الألوان لتأتي أحياناً متناسقة وفي أحايين أخرى متنافرة ومُنفرة..
وبطبيعة الحال.. لكل فرد الحرية الكاملة في اختيار ما شاء من تصميم معماري.. إلا أن من الضرورة بمكان مراعاة الشكل العام لأنه ملك للجميع. لا يُغفل أبداً دور الثقافة في الاختيار.. لذا يجد الرائي بيوت قرى الباحة وغيرها من القرى العسيرية مهرجاناً من المباني المتباينة.. ولا أدري إن كان هناك ثمة صلاحيات للجهات التخطيطية كالأمانات والبلديات في تحديد النسق الخارجي باعتبار الرؤية الخارجية ملكاً للجميع. أما التصميم الداخلي فلكل فرد حرية الاختيار.. أما لماذا؟ فلأن المدينة تُعد كياناً عضوياً وثقافياً يبنيه الإنسان من خلال أدوات البناء والتعمير وبما اكتسبه من ثقافة.. ومن الأرصدة التي تُضاف إلى جمال المدن هو تفردها عن غيرها بالطراز المعماري الذي يتناسب مع ثقافة الناس وهويتهم المكانية.
الذي ساعد في أن تُصبح قرى الباحة مزيجاً من ثقافات معمارية متنوعة ومتناقضة، كون العالم بأسره أصبح قرية صغيرة ما يُسهِّل الاقتباس والمحاكاة.. وهذا المزيج ألقى بظلاله سلباً على الذائقة البصرية، وعلى الذوق العام.
البعض يرى أنه لا غضاضة في الاستفادة من الآخرين، وآخرون يرون ضرورة توظيف الثقافة المعمارية المحلية وتجسيدها لتصبح واقعاً ملموساً وشاهداً حياً.
لذا ينبغي الاعتراف بأن هذا التنافر في الأشكال والألوان قلل من إعطاء شخصية أو هوية معمارية للباحة.. والمشكلة ستتفاقم مع مضي الأيام والسنين إذا لم تتدخل الجهات التخطيطية وبشكل سريع في التقليص من الغربة المعمارية، ولكون منطقة الباحة منطقة سياحية تستقطب في صيف كل عام أعداداً كبيرة من الزوار والسائحين.. وبما أن السياحة أصبحت صناعة بكل ما تعنيه من دلالات ومفاهيم، فمن الضرورة بمكان التخطيط من الآن لتشكيل هوية لمدينة الباحة وقراها لكي لا تصبح في يوم من الأيام نشازاً تنفر منها النفوس..
هنا تقع المسؤولية على عاتق المجتمع بأسره في تحديد الهوية العمرانية من خلال التواصل مع العمارة القديمة بإبداعاته الفكرية والفنية والهندسية وتحليل المفردات المعمارية والاقتباس في صياغة جديدة ومتطورة مع استثمار المعطى الحديث. سيما أن منطقة الباحة بدأت تشق طريقها في الجذب السياحي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٨٠) صفحة (١٢) بتاريخ (١٤-١٠-٢٠١٣)