وصل عدد الجنس البشري في أغسطس من عام 2013م إلى رقم سبعة مليارات و140 مليونىاً و 390 ألفاً و 152 إنساناً. فإذا أردنا ضغط هذا الرقم إلى ألف إنسان، وتحويل الكرة الأرضية إلى قرية صغيرة؛ فإننا سنفاجأ بطيف جميل للغاية من التنوع الإنساني، بين اللغات والأديان والأعراق والألوان والأعمار والجنس.
سنجد التباين بين المهن والاهتمامات والثقافات والحضارات. وبنفس القدر من المفاجأة سنبصر الجنس البشري وهو مطوق بمجموعة من المخاطر، لا تقل عن خمسة بين السلاح النووي والمخدرات وتلوث البيئة والتلاعب بالجينات وصراع الشمال والجنوب.
إن هذا الوجود الذي نعيش فيه يدعو للتأمل والخشوع، فبقدر ما هو بسيط بقدر ما هو معقَّد. وبقدر ما هو منوَّع بقدر ما هو موحَّد؛ فالضوء الذي نراه في غاية البساطة، ويتعامل معه الإنسان في كل لحظة، وتتوقف الحياة بدونه، فإن سره المكنون يتحدى العقل البشري حتى هذه اللحظة.
ومع نهاية القرن السابع عشر استطاع العالم الفيزيائي إسحق نيوتن أن يكتشف أن طبيعة الضوء ليست موحَّدة، بل هي مزيج من ألوان شتى. ونقلنا هذا الفهم إلى إدراك الكون، على أن كل ظاهرة تضم طيفاً من العناصر، ولا يخرج الجنس البشري عن هذه الحقيقة. وفي عام 1800م قام العالم (ويليام هيرشل) في مراقبة طيف الألوان الذي يتشكل بعد انكسار الضوء في الموشور الزجاجي، فخطرت في باله فكرة جديدة هي قياس حرارة طيف كل لون. وكانت دهشته دون حدود، حينما اكتشف أن الحرارة أشد في منطقة تخلو من كل طيف لوني، وهي ما تحت الأحمر. وهذا يعني أن عيوننا تبصر ولاتبصر، فهي تُخطئ أكثر من مرة، وهي ترى مزيجاً من الألوان يظهر بشكل أبيض. وهي لا ترى إلا في حيز بعينه وهو شق بسيط بين أمواج لا تنتهي من قبل ومن بعد. وهنا حصل ما يشبه التناقض في تفكير الناس في تلك الأيام. وهي أن الكون الذي نبصره ليس كل الكون، بل إننا نسبح بين عالمي الغيب والشهادة. عالم ما نشاهد وعالم ما هو مغيب عن أعيننا فلا نبصره. فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون.

خالص جلبي
مفكر إنساني يتكلم بلسانين من التراث والمعاصرة، يطير للمستقبل بجناحين من العلم والسلم
نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٨١) صفحة (١٢) بتاريخ (١٥-١٠-٢٠١٣)