مع الإعلان عن تعليق جلسات الحوار في البحرين مطلع شهر أكتوبر الجاري، التي تستمر حتى نهايته، بقرار من الطرف الحكومي ومعه الطرفان الآخران في الحوار، وبغياب القوى الوطنية المعارضة التي أعلنت تعليق مشاركتها قبل ذلك.. مع هذا الإعلان، يكون الحوار قد أخذ إجازته الثانية. في المرة الأولى كان التوافق على إجازة الحوار بين جميع الأطراف واستمرت مدة شهرين (من 26 يونيو حتى 28 أغسطس 2013)، لكن في المرة الثانية لم تكن المعارضة موجودة على الطاولة لأسباب تتعلق بمعطيات وجدتها الجمعيات المعارضة مُعيقة لاستمرار الحوار وبتركيبة طاولته، ما قاد إلى انسداد أفقه وتحوله إلى جلسات لتقطيع الوقت.
تأتي إجازة الحوار الثانية في ظل تطورات داخلية وإقليمية. أولها يتمثل في تأجيل الحكومة البحرينية التوقيع على اتفاقية ثلاثية مع ممثلي القطاع الخاص البحريني (غرفة تجارة وصناعة البحرين) والطرف العمالي (الاتحاد العام لنقابات عمال البحرين)، وتحت إشراف منظمة العمل الدولية التي وصل وفد كبير منها إلى العاصمة البحرين نهاية الأسبوع الأول من الشهر الجاري وغادر بعد ثلاثة أيام خاوي الوفاض. الاتفاقية كانت تنص على استكمال إنهاء ملف المفصولين من أعمالهم على خلفية الأزمة التي عصفت بالبلاد منذ فبراير 2011، وهذه تعتبر جزءاً من توصيات اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق التي أمر بتشكيلها العاهل البحريني للوقوف على حقيقة ما حصل في البحرين خلال شهري فبراير ومارس 2011. يُضاف إلى المعطيات الداخلية ما خلص إليه المجلس الوطني (البرلمان) من توصيات جاءت أثناء الإجازة الأولى للحوار، وأغلبها يصب في تقنين العمل السياسي والحقوقي وزيادة الجرعة الأمنية، ما زاد من منسوب التوتر بين أطراف الحوار، وخصوصاً بين الحكومة والمعارضة.
وفي الجانب الإقليمي، جاءت تطورات العلاقات الأمريكية الإيرانية والعلاقات بين الأخيرة ودول مجلس التعاون الخليجي وخصوصاً مع المملكة العربية السعودية، لتشكل مادة أخرى للحوار والمناقشات في مجالس البحرين، وما رافقها من وضع سيناريوهات لمسار الوضع السياسي المحلي في ظل الحديث عن حلحلة في عقدة الملف النووي الإيراني وموافقة النظام السوري على تدمير الأسلحة الكيماوية ودفع كلٍّ من واشنطن وموسكو لترتيب مؤتمر (جنيف 2) المتعلق بالأزمة في سوريا.
كانت الجلسة الأولى من الجولة الثانية للحوار الوطني التي انعقدت بتاريخ 28 أغسطس الماضي، من أكثر جلسات الحوار هدوءاً وموضوعية للدرجة التي خرج المتحاورون منها بتصورات إيجابية ترجمتها تصريحات أطرافها.
في تلك الجلسة قدَّمت القوى الوطنية المعارضة مبادرة جديدة لتحريك المياه الراكدة من تحت جلسات الحوار، تمثلت في: وقف عملية التحريض الإعلامي والبدء في بناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف بما يعزز الوحدة الوطنية، وفتح وسائل الإعلام أمام جميع القوى السياسية والمجتمعية دون تمييز أو إقصاء. وإطلاق سراح سجناء الرأي وفق التوصيف الذي جاء به تقرير اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق. وإحداث عملية الانفراج الأمني المطلوبة من خلال تبريد الساحة المحلية (..) وإدانة العنف والعنف المضاد من أي مصدر كان. والإصرار على وجود جهاز إعلامي للأطراف المشاركة في الحوار. وتنفيذ الالتزامات التي تعهَّدت بها الحكومة أمام المجتمع الدولي، وعلى رأسها تنفيذ توصيات اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق، وتوصيات مجلس حقوق الإنسان العالمي. ووقف السعي المحموم لتشطير المجتمع على أساس طائفي ومذهبي، والتوقف عن الإمعان في سياسة التمييز بين المواطنين. حيث كان المتحاورون قد توصلوا إلى تفاهمات سبقت مبادرة المعارضة، فقد ولجوا في جدول الأعمال المتفق عليه على أن تناقش المبادرة في الجلسة التالية حسب ما جاء في محضر تلك الجلسة ونشرته الصحف المحلية البحرينية في حينه. حدثت تطورات متسارعة بين الجلستين: أولها إصدار قرار وزاري يضيِّق المساحة الممنوحة للجمعيات السياسية في تواصلها مع الخارج، حيث وضعت شروطاً جديدة تمثلت في ضرورة وجود مندوب من وزارة الخارجية في أي لقاء تعقده الجمعيات، ما جعل هذا القرار مكان تندر واعتبره بعضهم أشبه بالمحرم. وهو بلاشك قرار يعبر عن أزمة الثقة بين الجمعيات المعارضة والحكومة، رغم عقد 28 جلسة حوار على مدار ثمانية أشهر، إلا أنها لم تتمكن من إذابة الجليد بين طرفي الحوار.
أجواء الحوار المتعثرة والمرتبكة استمرت حتى بعد الإجازة الثانية التي كان يُفترض أن تحدث فيها بعض الاختراقات الجدية من خلال لقاءات واجتماعات ثنائية بين الأطراف، إلا أنها لم تحصل حتى اللحظة، وكأنما يُراد لحصول هذا الاختراق تطور إقليمي لافت، بينما تعاني البلاد من انكماش في الوضع الاقتصادي انعكس في نسبة البطالة المتزايدة وزيادة الدين العام ليلامس 13 مليار دولار، وأزمات معيشية تقف على قمة جبلها أزمة الإسكان، وتراجع تصنيف البحرين الائتماني، ما يعني مواجهتها صعوبات جمة في عملية الاقتراض وبفوائد أعلى، ناهيك عن الاحتقان الموجود أصلاً، الذي يغذيه الوضع الإقليمي المضطرب.
ينبغي أن يؤسس هذا الوضع لإرادة سياسية لإيجاد حل للإزمة التي تعصف بالبلاد، والاستفادة من تجارب الدول الشقيقة التي سارت على درب الحوار كما هو الحال في اليمن وتونس، رغم الصعوبات التي تواجه البلدين في الوصول إلى بر الأمان.
ففي اليمن، يشترك مجلس التعاون الخليجي ومجلس الأمن الدولي في الإشراف على تنفيذ المبادرة الخليجية وآليات تنفيذها، وقد أثنى رئيس بعثة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في اليمن السفير سعد العريفي، على الجهود التي بذلها مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن جمال بنعمر، وفريقه، لتقديم استشارات مهمة لفرق عمل المؤتمر لتسهيل سير عملها، وقال في كلمته التي ألقاها في الجلسة الختامية للحوار اليمني التي انطلقت في الثامن من أكتوبر الجاري «إن الدعم والمساندة الذي قدَّمته دول مجلس التعاون والمجتمع الدولي، والعمل المستمر، والاجتماعات المنتظمة لسفراء مجموعة العشر والاتحاد الأوروبي، كان عاملاً إيجابياً في نجاح هذه المسيرة»، مضيفاً: «لقد قدم اليمن نموذجاً مشرفاً وملهماً في كيفية تسوية الخلافات والصراعات الداخلية، عبر الحوار الوطني، وهو ما مثَّل تجربة فريدة».
لاشك أن البحرينيين بحاجة إلى خارطة طريق واضحة للسير عليها في الحوار الوطني، ولاشك أيضاً أنهم بحاجة للدعم من دول مجلس التعاون الخليجي والمساعدات الفنية والتقنية من المنظمة الأممية وأصدقاء البحرين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٨٤) صفحة (١٣) بتاريخ (١٨-١٠-٢٠١٣)