بعد أن تنصلت إيران من أول تعهداتها مع القوى الكبرى بالتخلي عن اتفاق باريس عام 2004 – الذي تم بموجبه تعليق جميع نشاطات تخصيب اليورانيوم- مقابل موافقة أوروبا على دخولها في منظمة التجارة العالمية، بدأت إيران مرحلة جديدة في تطور مشروعها النووي وعاودت نشاطات التخصيب، ثم تحدَّت المجتمع الدولي بإزالتها أختام منشأة أبحاث بحضور مفتشي الوكالة، وهذا ما دفع مجلس الأمن الدولي إلى دعوتها لوقف كافة نشاطاتها النووية. إلا أن طهران استكملت أبحاثها وتوصلت إلى الدورة الكاملة للوقود النووي مخبرياً لتصبح دولة نووية بعد عامين من توقيعها اتفاق باريس. مضى على المفاوضات بين إيران والقوى الكبرى حوالي عشر سنوات، وهي تراوح ما بين التعثر والتوقف، بينما يستمر المشروع النووي الإيراني في التقدم دون اكتراث بمواقف الدول الغربية، لتكمل إيران مشروعها النووي الذي سيفرض سباق تسلح جديد في الشرق الأوسط، أو ربما يدفع إلى حروب استباقية تقوِّض الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم. إيران التي كانت ملزمة بإبلاغ وكالة الطاقة الدولية باستيراد اليورانيوم واستخدامه، تراجعت عن وعودها بالسماح للوكالة بالقيام بعمليات تفتيش، ومازالت إلى الآن تناور حول نفس النقاط التي كانت محور نقاش في جميع المفاوضات السابقة، والهدف في جميع المحطات كسب الوقت وتحويل مشروعها النووي إلى أمر واقع لا يمكن التفاوض عليه. المشروع النووي الإيراني الذي بدأ منذ أكثر من خمسين عاماً، مر بعديد من مراحل التطور، لكن التطور الأهم جاء في العقد الأخير؛ حيث قدمت روسيا والصين كل احتياجات هذا المشروع لإيجاد حليف قوي لهما في المنطقة. وقبيل البدء في الجولة الأخيرة من المفاوضات التي عُقِدَت في جنيف، كشف ناشطون إيرانيون أن حكام طهران بدأوا عمليات نقل لمشاريع نووية وإخفائها في أماكن سرية مستبِقين أي اتفاق، وأتت جولة المفاوضات هذه بعد أن حققت إيران إنجازات نووية مهمة رغم كل ما قيل عن آثار العقوبات عليها.
أمام هذا المُعطَى، يرى مراقبون للشأن الإيراني أن قادة طهران ذهبوا إلى التفاوض ليس فقط بسبب ضغط العقوبات، وإنما لأنهم رأوا إمكانية تقديم بعض التنازلات لتكريس ما وصلوا إليه والانتقال بدولتهم من مرحلة التأسيس إلى الاستقرار، لحصد نتائج ثلاثين عاماً من العمل المحموم داخلياً وإقليمياً ودولياً لتكون الجمهورية الإيرانية قوة إقليمية معترفاً بها عالمياً، وهم يسعون إلى أن تصبَّ جولة المفاوضات الحالية في نفس الاتجاه، خصوصاً في ظل ترحيب أمريكي وغربي بدا واضحاً، بحيث تكون هذه الجولة جزءاً من مسلسل قد يطول ريثما يُستكمَل مشروعها النووي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٨٧) صفحة (١٣) بتاريخ (٢١-١٠-٢٠١٣)