التقت الأطراف السياسية التونسية أمس في جلسة حوار وطني للتوقيع على خارطة طريق تضمن استقالة الحكومة التي ترأسها حركة النهضة لإفساح المجال أمام تشكيل حكومة محايدة تقود البلاد حتى الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة، التي ستكون محل نقاش بين القوى السياسية التونسية داخل المجلس التأسيسي، ولأن عديداً من السياسيين التونسيين تساورهم الشكوك تجاه تراجع النهضة عن مواقفها المتشددة برفضها التخلي عن الحكومة والهيمنة على مفاصل السلطة وأجهزة الدولة، فإن النهضة أدركت أخيرا أن لا خيار أمامها إلا التفاهم مع الشعب التونسي الذي واجهها في الشارع طوال العامين الماضيين من وجودها في الحكم، وبات عليها أن تعمل مع المعارضة التي تمثل الطرف الآخر من المجتمع السياسي التونسي، الذي يشكل قوة رئيسة في البلاد ولا يمكن تجاهله، وهذا ما استوعبه زعيم النهضة راشد الغنوشي بعد الدرس المصري المؤلم وما حدث لحركة الإخوان المسلمين. وبالرغم من بدء الحوار وموافقة النهضة على خارطة الطريق التي وضعها الاتحاد التونسي للشغل ووسطاء آخرون، إلا أن التونسيين ما زالوا يشككون في نيات حركة النهضة وخرجوا بالآلاف إلى الشوارع للتأكيد أن لا خيار أمام الحكومة والنهضة سوى التراجع عن محاولتها فرض إرادتها السياسية على الشعب والمعارضة والاعتراف بالتوازنات السياسية الجديدة. ويرى مهتمون بالشأن التونسي أن موافقة حركة النهضة على خارطة الطريق وقبولها استقالة الحكومة، كان وراءه ثلاث مسائل أساسية، أولها أن الحركة تخشى من أن يكون مصيرها مصير إخوان مصر مع تصاعد الغضب الشعبي ضدها واتهامها باغتيال شخصيات سياسية معارضة، وثانيها أنها لا تزال تملك أغلبية في المجلس التأسيسي ولديها القدرة على المناورة مع حلفائها في صياغة الدستور المقبل، وثالثها أن الحركة تحاول أن لا تضيع فرصة العمل السياسي العلني وتحقيق مكاسب في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وبالتالي تأكيد حضورها السياسي دون اللجوء إلى العنف. في حين يعتبر طرف آخر من الشارع السياسي التونسي ما زال لا يثق بالنهضة، أنها أحنت رأسها قليلاً لمرور العاصفة وأن على التونسيين البقاء متأهبين في وجه أي محاولة جديدة لها لفرض هيمنتها على المجتمع والدولة التونسية. لكن الأهم في هذه التجربة أن تكون جميع الأطراف السياسية في الحكومة والمعارضة تحت سقف الوطن لتجاوز هذه المحنة والمضي بالبلاد نحو المستقبل، وهذا ما يعول عليه الشعب التونسي الذي يعاني من هذه التجاذبات تحت وطأة الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يمكن أن تتفاعل أكثر في حال استمرت البلاد في أزمتها السياسية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٩٠) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٤-١٠-٢٠١٣)