لم تبدأ المباحثات بين الموالاة والمعارضة في تونس، محطة انطلاق الربيع العربي، إلا بعد وساطةٍ شاقة ومحاولاتٍ عديدة لجمع الفرقاء لم يُكتَب لها النجاح، حتى خرج رئيس الوزراء، علي العريض، على الملأ ليتعهد بأن يقدم استقالة حكومته وأن يلتزم بما تصل إليه جلسات الحوار السياسي.
إذاً، بدأ الحوار الوطني في تونس بعد مفاوضات ماراثونية كشفت أن آفة ساسة ما بعد الربيع العربي تكمن في تبادل الشعور بعدم الثقة، إذ يغيب هذا المعنى المطلوب توافره بين الأحزاب والحركات ليحُلَّ محله التربص وهو ما يعطّل مسار الانتقال إلى مرحلة الاستقرار.
ولا يحدث هذا في تونس فحسب وإنما في أغلب دول الربيع العربي، ولو رصدنا التطورات في مصر بعد 25 يناير 2011 سنجد أن معظم الأزمات السياسية نشأت نتيجة غياب الثقة وتبادل الاتهامات في ظل مناخ يتسم بالاستقطاب الحاد، وتكرر هذا المشهد في ليبيا واليمن بصورةٍ أو بأخرى، وهو يحدث الآن في سوريا، فنرى أن فصائل محسوبة على الثورة تتحدث عن بعضها بعضاً بتربصٍ بالغ.
وتقلل هذه الأجواء من إمكانية الولوج إلى الحوارات الوطنية، وحتى إن بدأت هذه الحوارات سرعان ما تنفضّ لفشل الفرقاء في التوافق، ومن المعلوم أن هذه الحوارات تكتسب أهمية بالغة في المراحل الانتقالية بهذه الدول لأنها الآلية التي تفضي إلى استحقاقات نيابية ودستورية، ودون صنع التوافق يتحول المسار الانتقالي إلى طريق ملغوم يهدد عملية الانتقال برمّتها، ودليل ذلك طول المرحلة الانتقالية في كل دول الربيع العربي.
في تونس مثلاً، قيل إن الانتخابات التي ستفرز سلطة دائمة ستجري نهاية عام 2012، والآن يُقال إنها ستُجرى في بداية 2014، والسبب انعدام الثقة، وبالتالي تعطل عملية التحول إلى السلطة الدائمة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٩٢) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٦-١٠-٢٠١٣)