كتبت في الأسبوع الماضي مقالاً كان بعنوان: «المرأة ولحظة الحقيقة»، أوردت فيه رأيي حول مبادرة بعض الناشطات لقيادة السيارة، الذي يصادف يوم 26 أكتوبر.
ومن خلال حجم الزخم الإعلامي الرسمي والشعبي الذي أحاط بهذه القضية وبعض الآراء التي طُرحت للنقاش والحوار في هذه القضية التي ليست بالجديدة علينا، وهي إعادة إنتاج للجدل الذي يحيط بهذه المسألة في كل مرحلة، وتجاوز المساجلات في هذه القضية الحدود الطبيعية لمثل هذه القضايا.
لكن في هذه المرة اختلف الوضع بشكل جذري بحيث وصلت المواجهة بين المؤيدين والمعارضين إلى ما يمكن أن نسميه كسر العظم، وهنا تابعت بعض ما طرح في الأسبوع الماضي، وشاهدت التباين الواضح بين فئات المجتمع، وكذلك التراشق الحاصل بين المغردين في تويتر ومواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك التفاعل الشعبي الذي أفرزته هذه القضية.
الحديث في هذه القضية هو حديث لا جديد فيه، ولذلك أخذت زخماً كبيراً وحملة واسعة من التيارين المتنافرين، بل إن هناك أُناساً قبعوا في منطقة الوسط وهم يهتفون: قادت المرأة السيارة أم لم تقد ما مصلحتنا في ذلك؟ أضف إلى ذلك أن هؤلاء يقولون أيضاً: لقد شغلتنا هذه القضية، واستنفدت طاقاتنا، فلمَ الإزعاج في قضية تافهة تثار بين الفينة والأخرى؟ هذه الفئة وهي بما نسميها الأغلبية الصامتة هي التي تبحث عن الاستقرار النفسي والمعيشي، ولا تريد أن يكون هناك اختلافات ولا نزاعات بين الآخرين بسبب قضايا مختلف عليها منذ القدم بسبب عدم توافق كل فريق مع توجهات الفريق الآخر.
من ينظر في واقعنا اليوم يشاهد أن الأخطار تموج من حولنا في كل مكان، والحروب، والفتن، والثورات وغيرها، ولذلك بعضهم لا يستقرئ مثل هذه الأخطار والأحداث، ولا يختار التوقيت المناسب للمطالبات، فمثلاً تحديد 26 أكتوبر لخروج بعض الناشطات لقيادة السيارة، ربما يُقرأ على أنه تكتيك ضغط على الدولة بقصد خلق أمر واقع جديد يتوافق مع تحرك بعض عضوات مجلس الشورى لخلق مناخ رسمي وشعبي داعم لهذه المبادرة، وهنا يمكن القول: إن من يقوم على حملة قيادة المرأة للسيارة فاتهم أن الدولة وربما كل دول العالم لا تتعامل مع القرارات المهمة بمبدأ الضغط، بل يوجد حسابات لكل قضية على حدة ومن ثَمَّ يخرج القرار النهائي متوازناً، ويحقق مصلحة عامة تأخذ في الحسبان الأمور بنظرة شمولية.
وفي المقابل تقوم أطروحة المناهضين لقيادة المرأة على أن هذه القضية لا تُشكل أولوية للأغلبية من النساء السعوديات، بالإضافة إلى أن بعضهم يراه في سياق مشروع تغريبي له عواقبه حسب رأيهم.
يمكن القول: إن بيان وزارة الداخلية الذي صدر قبل يومين لتوضيح الموقف الرسمي للدولة بعد أن استطال الجدل بين الطرفين حَملَ موقفاً متوازناً للغاية يؤكد أنها ستقف بحزم في وجه من يريد أن يوظف مثل هذه المبادرات أو المطالبات إلى حالات فوضى، وفي الوقت نفسه جاء البيان متماهياً مع الحالة الاجتماعية والحقوقية إذا لم يقطع بتحريم أصل المشكلة وهي قيادة المرأة للسيارة، وهذا يتوافق مع تصريحات سابقة لكبار المسؤولين في الدولة. إن الموقف والمناخ الاجتماعي هو عنصر الحسم لهذا الأمر.
نحن لا نشكك في وطنية أي مواطن سواء كان رجلاً أو امرأة، ولكن حري بالجميع أن يكونوا يداً واحدة لمواجهة أي تصرف طائش يؤدي إلى خلق بلبلة وفوضى تؤدي إلى خلخلة بأمن المجتمع واستقراره، ينبغي علينا أن ندرك أنّ تحويل القضايا والمطالب إلى وقود للمواجهات التيارية بقصد المناكفة أو الإقصاء سيكون له عواقب خطيرة جداً إذا ما قرأنا اللحظة الحالية التي تمر بلادنا فيها وفقا للأحداث والتحولات التي تعصف بالمنطقة .
ختاماً، النخب والمثقفون عليهم دور كبير في تهدئة النفوس دائماً، وعدم تأجيج الآخرين وخصوصاً المتابعين لهم، وتقع عليهم مسؤولية كبيرة في تضييق فجوة الخلافات، ونبذ العنف والتعصب، واحترام الآخرين، وعدم نعتهم بألفاظ نابية، واستخدام نفوذهم في تثقيف الآخرين وتعزيز ولائهم لوطنهم، وهذا هو المأمول منهم كما لا يفوتني التأكيد على أن الوضع يتطلب عملاً مشتركاً على الصعيدين الشعبي والرسمي لمعالجة كل القضايا الحقوقية والتنموية بشكل يساهم في عدم تراكمها وتفويت الفرصة على من يريد أن يتبناها لأهدافه الخاصة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٩٢) صفحة (١٢) بتاريخ (٢٦-١٠-٢٠١٣)