خلصنا في الحلقة الأولى من التجربة الإيرلندية في حل النزاعات إلى أنه وبعد الجهود المبذولة لإذابة الجليد بين المكونين الرئيسين: البروتستانت والكاثوليك، إلا أن غالبية مدارس كل طائفة منفصلة عن الأخرى، وهو أمر لايزال يشكل قلقا بالغاً لدى المؤسسات الدستورية القائمة التي فتحت المجال أمام الحوار بين الشمال الإيرلندي والجزيرة الأم في الجنوب.
لم تكن المصالحة في إيرلندا الشمالية مفروشة بالورد، بل على العكس من ذلك، فعقود من العداء والضحايا والمعتقلين والتدهور الاقتصادي والاجتماعي، ووجود المتطرفين من كلا الجانبين، كلها وغيرها شكلت عناصر معرقلة أشبه ما تكون بالقنابل الموقوتة التي انفجر بعضها كلما تم الاتفاق على خطوات عملية لتحقيق المصالحة والإقلاع بالمحافظات الست إلى بر الأمان.
صحيح أن اتفاق الجمعة العظيمة الذي لعبت الولايات المتحدة دورا رئيساً في إنجازه في عهد الرئيس بيل كلينتون بمعية رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، هذا الاتفاق قد برّد الساحة الأمنية والسياسية الداخلية في بلفاست والمناطق الأخرى، إلا أنه لم يصمد أمام أزمة الثقة بين الطرفين، ووجدت لندن نفسها متورطة مرة أخرى في تفاصيل التفاصيل، فألغت الحكم الذاتي واستعادت الحكم المباشر في العام 2002، في ضوء الاتهام المباشر للجيش الجمهوري الإيرلندي بالتجسس على الحكومة. ودخلت الأطراف مرة أخرى في مفاوضات ذات معنى أوصلت إلى اتفاق في العام 2005، سلّم بموجبه الجيش الجمهوري الإيرلندي كامل أسلحته مقابل تقاسم السلطة مع الجماعات المدعومة من بريطانيا (الوحدويين)، وهو الأمر الذي حصل، حيث تم الاتفاق على العودة إلى بنود اتفاق الجمعة العظيمة، وذلك في العام 2007، التي تسير عليها إيرلندا في الوقت الحاضر وتحاول تجاوز الماضي مراهنة على وجود أجيال جديدة لم تذق ويلات الحرب الأهلية ولم تعشها بالتفاصيل التي عاشتها أجيال كثيرة.
كانت زيارتنا إلى إيرلندا الشمالية بتنظيم من «مؤسسة الجسر» الإيرلندية، وهي مؤسسة غير ربحية، قامت بترتيب زيارات متعددة لوفود بحرينية رسمية وأهلية، في محاولة منها للمساهمة في ترطيب الأجواء المحلية في البحرين والاطلاع على تاريخ الصراع في إيرلندا ونتائجه السلبية والخلاصات التي يمكن الوصول إليها والاستفادة منها في حل الأزمة بالبحرين.
وفي آخر زيارة قمنا بها في بلفاست، عاصمة إيرلندا الشمالية، كانت للجنة المساواة، تحدثت فيها المديرة التنفيذية السابقة السيدة إيفلين كولينز، التي أوضحت أن اللجنة محايدة رغم دعمها من الحكومة، ومهمتها القيام بالتحقق من عمليات التمييز الطائفي ومساعدة المتهمين في القضايا القانونية التي جاءت على خلفية الأزمة، وأوضحت أن عدد الشكاوى التي تصل اللجنة سنويا استقرت عند 2500 شكوى، أغلبها التمييز في العمل بما فيه فرص العمل الجديدة، وأن أغلب التمييز يقوم به البروتستانت باعتبارهم أغلبية و يملكون مفاصل الاقتصاد في المحافظات الست التي تكوّن إيرلندا الشمالية.
قبل هذا اللقاء عقدت عدة لقاءات واجتماعات تسلط الضوء على الأزمة التي واجهتها إيرلندا، لكن زيارة سجن «كرملن رود»، أعادت التاريخ للوراء، عندما كانت بريطانيا تحتل الجزيرة الإيرلندية وتديرها. فقد بنت بريطانيا السجن عام 1845، ويضم مبنيين رئيسين يفصلهما شارع كرملن. ومع بدء المفاوضات بين الأطراف المتنازعة، تم إغلاق السجن في العام 1996. يضم السجن أربعة أجنحة ويستوعب قرابة 550 سجينا، لكن العدد تضاعف في أوج الأزمة. وتشهد جدران السجن على إعدام عديد من نشطاء الجيش الجمهوري الإيرلندي، سواء بالشنق أو في غرف الإعدام الخاصة أو في باحاته الكبيرة. كما اطلعنا على غرف التعذيب المجهزة بوسائل تقشعر منها الأبدان، حيث يجري في أحيان عديدة تعذيب السجين حتى الموت. وقد اشتهر هذا السجن بما أطلق عليه «إضراب البطانيات»، الذي أدى إلى وفاة 12 سجينا من نشطاء الجيش الجمهوري الإيرلندي.
مسألة الديمقراطية التوافقية التي اعتمدتها إيرلندا الشمالية، أوجدت حصانات للدفاع عنها وحمايتها وذلك انطلاقا من اتفاق الجمعة العظيمة، وهو يمنح طرفي النزاع حق الفيتو ويقدم للحكومة المحلية ملامح برنامجها بصورة توافقية تساعدها على عملية التنفيذ.
اللافت في الأمر أن المتقاتلين وصلوا إلى خلاصات خطأ مواقفهم، إذ لم يتردد أحد العناصر المنتمية إلى الجيش الجمهوري من الإعلان عن خطأ موقف حزبه، معززا موقفه أن المتطرفين من الجانبين قد خطفا الساحة المحلية لصالح مزيد من الاقتتال الداخلي، مؤكدا أن السبب الآخر يتكثف في وحشية تعاطي الشرطة مع الناس. أما زميله الآخر وهو من الحزب الذي كان خصما (الوحدويون)، فقد كان متحمسا لعملية المصالحة الوطنية والاستمرار في الحوار لإسدال الستار على واحدة من الحروب الأهلية الدموية، ولم يتردد عن البوح بما كان يواجهه من أعضاء حزبه وأنصاره، حيث كان عديد من الوحدويين يعتقدون أن الاتفاق سيقودهم إلى التنازل لصالح الجمهوريين، لكن الحقيقة أن المصالحة قوّت الحزب وزادت من عضده. هذا الرجل الذي يُدعى جيفري أكد أيضا أن تجربة إيرلندا الشمالية ليست مكتملة بعد، «وعلينا التعلم من الأمور الإيجابية والسلبية».
حصدت الحرب الأهلية في إيرلندا الشمالية آلاف القتلى والجرحى الذين فقدوا منازلهم ووظائفهم، ناهيك عن أكثر من 25 ألف سجين، فيما يؤكد كثيرون أن أصل النزاع ليس طائفيا، بل تم إلباسه هذا الثوب من قبل السلطة والإعلام لكي تمرر الأجندات المطلوبة، التي أججت النزعات الطائفية وأثارت الغرائز. ويبدو أن هذا يتكرر في عديد من الدول العربية. لكن النهايات الإيجابية وإن هي تسير بخطى بطيئة، لكنها ثابتة، أوصلت إلى تقاسم السلطة واقتناع الإيرلنديين الشماليين بأن بلادهم تستحق التضحية والعمل على إعادة بنائها من خلال اقتسام السلطة وإشاعة المواطنة المتساوية بدءا من العدالة الانتقالية لطي صفحة الماضي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٩٦) صفحة (١٣) بتاريخ (٣٠-١٠-٢٠١٣)