* نصوصٌ تُنشر أسبوعياً، من «يوميات بيت هاينريش بول» التي كتبها الشاعر أثناء إقامته الأدبية، بمنحة من مؤسسة «هاينريش بول» في ألمانيا.

شمسُ البريد

• مخطوط

وضعتُه في غامضات النهر
كي يغفوَ رحيماً في يدٍ ممدودة في الليل
في غيمٍ
ويمسحَ عن كتابي غفلةً في النحو
أرخيتُ العذابَ لكي أنامَ
فلم أنَمْ.
*
منذ اندلاعِ النص
في خوفٍ وفي ولعٍ
وكنتُ مُضَرَّجاً بزفير أخطائي
فكُفَّ الآن عن توبيخ حبي
فالكتابة جنتي..
وارأفْ يا نُهيرَ الريف
خُذْ قلبي
ودع لي شهوة الفصحى تؤنبني
ودعني مستجيراً بالندى
دعني
على كثبٍ من النسيان
تسمع قاتلي
فتدُلني في النهر
تقرأني
وتُمعنُ في عذابي.

• الخريف

أقدامُه في عتبة البيت
وعيناهُ في وردةٍ
يرصدُ الشجرةَ وأوراقَها
خريفٌ قبلَ الخريف
بعد أنْ أفرغَ الصيفُ غيماته الرهيفات
جاءَ يغسل الغابة
ويكيل للشمس أكياساً وشآبيبَ
خريف
يتقدم في قلق الريح وجسارة الثلج
ليس لاسمِهِ من الأفاعيل شأنٌ
سوى سجادةِ تصْفَرُّ
بكلامٍ من الأساطير
ويده في الخرافة
الخريفُ ذاتُه
يتقدم
فيناله الهلاسُ وينفيه النسيان.

• المطر

مثل سحابةٍ
أرخيتُ أحلامي على الأشجار
كنتُ لها
ذريعةَ أنْ تحثَّ الماءَ
كي يرقى إلى بيتِ الفواكه
لم أسارع بالهواء
وما فتحتُ كتابتي قبل انخطافِ اللون في التفاح
علقت انتظاري
وابتدأت الحلم
كنتُ لها
تؤرجحني قليلاً قبل أخطائي
وتشفعُ لي أمام الصيف
كي يأتي على مهلٍ
أمامي غابةٌ مهتاجة
وتهدجٌ في العشب تحت الشوق
لا سأمٌ من الشكوى
ولا لي مهجةٌ تقوى
على مطرٍ بطيءٍ
ليس في ريفٍ بعيدٍ يُستثارُ الغيمُ
مثلُ سحابة أمشي
وأفتح للغصون البابَ
يا شجرَ الغياب أمَضَّنِي هذا الحنينُ
وحانَتِ الرؤيا
فأيقِظْنا قُبيلَ التيه
يا ربَّ السحاب
خَبِيئَتي مبذولةٌ للطير
كي تأتي خِفافاً
كي نؤثثَ في الحديقة جنةً
فأطلقْ لنا مطراً صديقاً لا يؤجلنا
مضى فينا الجفافُ وشَحَّتِ السقيا
متى نحيا؟

• بريدُ المرج

موجٌ من الزهر الأصفر
ينداحُ في وهدة المَرْج
نجومٌ نهارية
أثرُ خطواتِ..
فراشاتٌ مؤجلة
يتماهينَ في شفقٍ من هواء
خرجنَ من مصهر الشمس
مرنّخاتٍ بزعفران الذهب
كلما هبَّتْ نسمةٌ
انعطفتْ عواطفُ الحقل العابث
وتهدَّجتْ أعطافُ النحل
مرتعشةً في اختلاجٍ وفي شغفٍ
فاستيقظ العنفوانُ في الجنادب
مأخوذةً بدُعاباتٍ مكشوفة السرائر
وفي حافةِ المرْج يتقدمُ جدولٌ
متسارعاً
برسائلِ النهرِ في مساربِ السهل
فتتضاحكُ زنابقُ بِيضٌ
ناشراتٍ أذيالَ تنوراتهنَّ ذاتَ الخيط
تتلقى عطايا البريد
يلمحنه متعثراً بعشبٍ يابسٍ
وعقابيلَ عاقةٍ
يتقدمنَ نحوه بالقرابين
فيبرأُ..
تاركاً خطواته في الشهقات
يبدأ في تلاوة أسمائهن
يقذفُ في أذيالهن الرسائل
وحباتِ الكرز
والكلماتِ مكنوزاتٍ بالبهجة
تلك الزهراتُ من كل لونٍ
تنشأ فيهنَّ شهوةُ العناقات
وملامساتِ الطلعِ الفائحة
يهجعُ المرْجُ في النشيد
والشمسُ في النهر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٩٦) صفحة (٢٠) بتاريخ (٣٠-١٠-٢٠١٣)