يزداد الجدل حول إمكانية عقد مؤتمر جنيف 2 المتعلق بالأزمة السورية، خصوصاً بعد أن أعلنت بعض فصائل المعارضة السورية عن عزمها مقاطعة المؤتمر، وفي ظل خلط واضح لأوراق الأزمة السورية وتداخل الأدوار بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، لكن بعض المؤشرات تقدم بعض التفاؤل لإيجاد ضوء آخر النفق.
بعض المعطيات التي حكمت النشاطات الديبلوماسية خلال الفترة القليلة الماضية تفيد بحلحلة محدودة تجاه عقد المؤتمر، على الرغم من المواقف المعارضة له على أرضية الشروط التي وضعتها المعارضة بإزاحة الرئيس السوري من منصبه وتشكيل حكومة لامكان فيها للأسد، إلا أن التفاهم الروسي الأمريكي على ملفات معلنة مثل ملف الجماعات المسلحة وتراجع احتمالات الضربة العسكرية التي كانت قاب قوسين أو أدنى، ما أوجد أجواء أخرى غير تلك التي كانت سائدة، فتسمرت المنطقة يشدها مزيد من سفك الدماء في سوريا والعراق على الأقل.
جزء من المعطيات التي دفعت باحتمالات عقد المؤتمر تمثل في صفقة التبادل الثلاثية التي أدت إلى الإفراج عن الزوار اللبنانيين التسعة المختطفين لدى الجماعات المسلحة الناشطة في سوريا مقابل الإفراج عن الطيارين التركيين ومجموعة من النساء السوريات المعتقلات لدى النظام السوري. هذه الصفقة عززت إمكانية التفاهمات «الشكلية» على الإفراج عن كل المعتقلين على خلفية الأزمة. ويبدو أن النظام السوري التقط هذه الإيجابيات ودفع بها عبر إعلانه العفو عن الذين عارضوه إذا أسقطوا سلاحهم.
وفي المقلب الآخر يبرز الملف النووي الإيراني بشكل يوضح دور إيران في حل الأزمة السورية. وعلى هذا الأساس كانت المفاوضات بين إيران وبين أعضاء مجلس الأمن الدولي الدائمين بالإضافة إلى ألمانيا، تسير بطريقة وصفها المتفاوضون بأنها غير الجولات السابقة التي عقدت قبل انتخاب الرئيس الإيراني حسن روحاني في يونيو (حزيران) الماضي. صحيح أن الجولة التي انتهت يوم السابع والعشرين من أكتوبر المنصرم لم تصل إلى اتفاق محدد، إلا أن المؤشرات تؤكد جدية الأطراف في الإقلاع بهذا الملف إلى تقاطعات في الرؤى. فالولايات المتحدة الأمريكية تشدد على ضرورة أن تكون هناك شفافية عالية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية التي تحاصر طهران وتفعل فعلتها في الداخل الإيراني. وواشنطن تدرك ما فعله الحصار، ولذلك لم تتردد عن الإفصاح على لسان موفدتها إلى مفاوضات جنيف بأن «واشنطن ستحكم على أساس الإجراءات العملية فقط (..) نحن نشهد مستوى جديداً من المحادثات يختلف عما كان يحدث قبل الآن».
التفاؤل الحذر من قِبل الدول الغربية قابلته موسكو بمطالبة نظرائها بإعلان صريح بعدم السعي للإطاحة بالنظام الإيراني. ولعل هذا ما جعل المحللين يشيرون إلى أن المسافة بين الغرب وإيران تقدر بالكيلو مترات، بينما ما حصل من تقدم في الملف الإيراني لايتجاوز بضعة أقدام. أما طهران فعينها على رفع العقوبات ودفع الخطوات الإيجابية التي تحققت على خلفية خطاب روحاني في الأمم المتحدة، وذلك للخروج من مأزق الحصار والبدء في تنفيذ الوعود التي أطلقها الرئيس الإيراني لناخبيه.
في سياق هذا الحراك، جاءت زيارة الموفد الدولي لسوريا الأخضر الإبراهيمي إلى دمشق، سبقتها تصريحات من رئيس النظام السوري شدد فيها على تحديد مهمة الأول في سوريا بموضوع عقد مؤتمر جنيف 2 وليس وضع شرط مغادرة الأسد السلطة، وهو الأمر الذي تفاعل معه الإبراهيمي بتصريح لافت عندما اتهم الإعلام العربي بالترجمة غير الدقيقة لتصريحاته، مؤكداً أن مسألة بقاء الأسد أو مغادرته شأن سوري بحت. ولعل هذا التصريح منح المعارضة السورية في الداخل مساحة أكبر للمناورة والحركة وإعادة ترتيب أوراقها لتفعيل دورها المغيب طوال الفترة الماضية، ما قاد النظام إلى عزل نائب رئيس الوزراء ورئيس الجبهة الشعبية للتحرير والتغيير المعارضة قدري جميل من منصبه، بينما كان في مهمة سياسية في موسكو تتعلق بنشاط المعارضة الداخلية. ويبدو أن زيارة جميل إلى جنيف ولقاءه بعض المسؤولين الأمريكان والأوروبيين بالإضافة إلى توسيع مشاوراته في موسكو كانت السبب في عزله من منصبه الحكومي.
تمديد الإبراهيمي مدة زيارته إلى دمشق كانت بسبب كثافة اللقاءات التي عقدها مع المسؤولين في سوريا، سواء من داخل النظام أو المعارضة، وهو الأمر الذي يقدم مؤشرات على جدية المبعوث الدولي في عقد المؤتمر أواخر شهر نوفمبر الجاري. وربما هذا ما قاد وزير الخارجية الروسي لافروف القول غير المتيقن بأن تحديد موعد المؤتمر وأفاقه ستحدد الأسبوع المقبل. وهو ينطلق من نقطة مفصلية تمثلت في التقارير الدولية التي تؤكد أن النظام السوري لايزال ملتزما بتنفيذ الخطوات المطلوبة منه في تدمير الأسلحة الكيماوية.
ولكي تكتمل الصورة فإن الوضع الميداني في سوريا ينذر بزيادة حدة الاشتباكات بين النظام ومعارضيه، وكذلك حسم المعارك في عديد من المناطق التي تقاتل فيها المعارضة السورية بعضها بعضاً، في حين يراقب اللبنانيون عن كثب التحضيرات القائمة لمعركة القلمون التي تشكل مفصلاً خطراً على الوضع الداخلي اللبناني باعتبارها تقع على الحدود، حيث تشكل سلسلة جبال القلمون الفاصلة بين سوريا ولبنان، خطاً جديداً يضاف إلى التسخين القائم أصلاً في الشمال اللبناني وتحديداً المعارك بين منطقتي باب التبانة وجبل محسن. ولاشك أن هذه معطيات ضاغطة على الوضع اللبناني الداخلي الذي لايزال مشلولاً بسبب التباين الكبير بين الأطراف حول شكل وتركيبة الحكومة، بالإضافة إلى العنصر الآخر المتمثل في وجود مايزيد على المليون لاجئ سوري موزعين على مختلف المناطق اللبنانية، يشكلون جزءا من المشردين السوريين الذي يربو عددهم على سبعة ملايين شخص داخل وخارج سوريا.
ربما يشكل مؤتمر جنيف2 الفرصة الأخيرة لوقف حمام الدم السوري، ولجم التدخلات في الشأن الداخلي، حيث تجاوز عدد القتلى حاجز المائة ألف قتيل بخلاف الجرحى والمعتقلين والبنى التحتية التي تدمرت تدميراً شبه كامل من جراء الاحتراب. لذلك فإن المعطيات جميعها تؤكد ضرورة عقد هذا المؤتمر والخروج بحل للأزمة السياسية المستفحلة عبر حوار وتفاوض جدي يفض إلى نتائج تنعكس إيجاباً على الشعب السوري بكل مكوناته بدلاً من الاقتتال وسفك الدماء.

* كاتب ومحلل سياسي بحريني

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٩٨) صفحة (١٢) بتاريخ (٠١-١١-٢٠١٣)