التنوع والاختلاف سمة إيجابية في حياة الأمم والشعوب، والاختلاف في الرأي إذا لم يصل إلى حد الخلاف فإنه يثري المشهد الثقافي والفكري، وعادة يقال: الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، (هذا ما نقوله جميعاً في كل مرة ولكن نجد أنفسنا أمام تداعيات التصنيفات الفكرية).
المتابع للمشهد الثقافي السعودي في الآونة الأخيرة يرى تبايناً في أطياف المجتمع الفكرية وانقسامات إلى تيارات أو ما نسميه مدارس فكرية متنوعة، وأصبح لكل مدرسة من هذه المدارس الفكرية قامات من المفكرين يقودونها، ومن ثم نشاهد كل تيار يتابع ما يُكتب ويُطرح من التيار الآخر؛ ليكون مستعداً للرد عليه حسب زاويته ومنظوره، ومن هنا ظهرت فكرة التصنيفات.
وتأتي قضية التصنيفات الفكرية محملة بأسئلة كبيرة وجوهرية على مستوى بنية الخطاب الثقافي السعودي بشكل خاص وعلى مستوى العمل الوطني الشعبي والرسمي ، من هذه الأسئلة هل التصنيفات حالة طبيعية مماثلة للمشاهد الفكرية والثقافية في كثير من دول العالم أم أنها نتيجة لخصوصية الحالة السعودية؟ كذلك يقفز سؤال آخر إلى مخيلة الإنسان السعودي، وهو هل التصنيفات الفكرية صفة ثابتة ومستقرة في بنية المنتج الثقافي أم أنها حالة طارئة مؤقتة تظهر فقط عند صعود قضية ثقافية محددة بين النخب الوطنية لتحيط بمواقف الاتجاهات الفكرية لتؤسس مواقف وتصورات نهائية لهذه النخب حيال تلك القضايا ثم لا تلبث أن تتراجع هذه التصنيفات وتهدأ تداعياتها؟
أُدرك جيداً أن هذه الأسئلة التي تحيط بهذه القضية كثير منها ما يتعلق بدلالاتها ومنها مايتعلق بحجم التأثير والتأثر العكسي بين الحالة الوطنية والعمل الفكري، وهذا يدعونا جميعا إلى التساؤل عن المآلات والنتائج التي ستقودنا إليها هذه التصنيفات .
اكتفيت بطرح بعض الاسئلة التي تحيط بقضية التصنيفات الفكرية وأجزم أننا أمام مواقف متباينة ومتنوعة لهذه القضية ولكن يجمع بيننا القلق من تنامي وصعود التصنيفات الفكرية على الوطن والمكونات الوطنية وفي نفس الوقت نحن أمام مسؤولية وطنية وتاريخية تقتضي بناء موقف وطني مشترك ينطلق من الثوابت الشرعية والوطنية للمحافظة على وطننا دون الإخلال بحق الجميع في التعبير وتبني المواقف والتصورات التي تنسجم مع هذه الثوابت.
كذلك لعلنا نتساءل أيضا: هل تنوع الأطياف الفكرية في المملكة يصب في مصلحة الوطن أم ضده؟ إن التنوع الفكري يكون في صالح الوطن في حال ظلت الاختلافات بين التيارات اختلافات تدور حول الرؤى والأفكار، ولا تكون على حساب شخصيات ومسميات بعينها، فهذه ربما تدفع بالمشهد الثقافي نحو الإثراء، وأما إذا تجاوزت الاختلافات الرؤى والأفكار ووصلت إلى حد القذف والتخوين والتكفير بين أتباع تلك التيارات فإن هذا الأمر يكون غير مقبول ويمثل عامل هدم وتقويض في لحمة الوطن ووحدته وتماسك أفراده ويصب في مصلحة المتربصين بوطننا وضد مصالحه وأمنه واستقراره، وهذا يقودنا إلى تساؤل آخر وهو إذا كانت هذه التصنيفات موجودة فلماذا لايتم الاعتراف بها والتعامل معها بشكل طبيعي؟.
هذه التصنيفات ظهرت علينا حديثاً في العقود الماضية دون ركيزة أساسية، ونخشى أن يصبح الولاء للجزء لا للكل، بسبب مدافعته عن هذا التيار بكل الوسائل، حيث يضعف دفاعه عندما تتجه بوصلته للحديث عن الوطن ووحدته وأمنه، وقد دارت بيني وبين أحد الزملاء محاورات في هذا الشأن وسألني قائلاً: هل من المتوقع أن نرى هذه الأطياف الفكرية في يوم من الأيام مجتمعة متحدة تدافع عن تراب هذا الوطن؟ أم سيكون العكس؟
المأمول من أبناء هذا الوطن أنهم جميعاً يحبون وطنهم، ولديهم الاستعداد التام للدفاع عنه في أي وقت يحتاجهم الوطن، ودائماً ما تتكسر الفروع أمام الأصول، فأطياف المجتمع ومشاربه المتنوعة من مذهبية وفكرية لديهم الحرص الكبير على أمن هذا الوطن وسلامته وعدم المغامرة بالثوابت والمنجزات التاريخية.
تزامن هذا المقال مع فوضى التصنيفات الفكرية في المرحلة الحالية للأسف مما دفع مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني إلى إقامة لقائه الفكري الخاص بعنوان: «التصنيفات الفكرية وأثرها على الخطاب الثقافي السعودي»، حيث جمع نخبة متنوعة في الفكر والأطياف والمشارب تحاوروا فيما بينهم حول هذه القضية من كافة جوانبها وخرجوا بعديد من الرؤى والأفكار التي نأمل أن تصب في مصلحة الوطن.
ختاماً نحن هنا نعلق الجرس بعد أن أصبحت التصنيفات سمة أساسية في بنية الخطاب الثقافي السعودي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٦٩٩) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٢-١١-٢٠١٣)