سياسة إسرائيل في الاستيطان منذ نشوئها لم تتغيَّر، بل هي غالباً ما كانت مادة للدعاية في الحملات الانتخابية لبعض أحزابها، وبقيت موجودة على جداول أعمال جميع الحكومات المتعاقبة في هذه الدولة، وغياب أي دور للمجتمع الدولي ومجلس الأمن الذي ضربت إسرائيل عرض الحائط بكل قراراته، ابتداءً من قرار التقسيم عام 1947 الذي أطلق يد إسرائيل بتنفيذ سياساتها الاستيطانية دون أي رادع. كما أن تخلي رعاة المفاوضات بين الفلسطينيين وإسرائيل عن لعب دور فاعل؛ شجع إسرائيل على تبديل الأسس التي انطلقت على أساسها المفاوضات وعملية السلام برمتها، فمن الأرض مقابل السلام التي انطلقت المفاوضات على أساسها، إلى الاعتراف بيهودية دولة إسرائيل، إلى اعتبار الجدار الفاصل كأساس للمفاوضات وحدود للدولة الفلسطينية المنشودة، وليس حدود الـ 1967، تغيرت الشروط والمطالب لتكون دائماً ضد الفلسطينيين وفي صالح إسرائيل.
المفاوضات التي أطلقت عملية سلام الشرق الأوسط بين العرب والإسرائيليين في مدريد قبل اثنين وعشرين عاماً لم تفض إلى سلام ولم تؤد إلى حل الدولتين كما كان مقرراً.
والولايات المتحدة الأمريكية التي كانت راعية لعدة اتفاقات بين الطرفين تعاقب على رئاستها خلال هذه السنوات أربعة رؤساء جميعاً أكدوا ضرورة الوصول إلى حل دائم وقيام دولة فلسطينية، لكن دون استخدام نفوذهم من أجل تحقيق السلام، وجميع الإدارات المتعاقبة عبَّرت عن رفضها الاستيطان أو اعتبرته غير شرعي، سواء كان باستخدام عبارات ملتبسة، أو كلمات واضحة كما صرَّح وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الذي يحاول إعادة الطرفين إلى المفاوضات، لكن دون أن تعمل إدارته على اتخاذ موقف جدي من الاستيطان والتعنت الإسرائيلي في مسألة القدس، وأسس عملية السلام.
كثير من المراقبين والسياسيين الفلسطينيين يحمِّلون الحكومات الأمريكية المسؤولية لعدم جديتها في الوصول إلى حل يُنهي هذا الصراع، وينظرون إلى غياب الموقف الصارم تجاه ابنتها المدللة إسرائيل، إنما هو نابع عن تواطؤ لفرض أمر واقع جديد على الأرض يقوض كل أسس قيام الدولة الفلسطينية على الرغم من الكلمات المعسولة تجاه الفلسطينيين بين الحين والآخر.
استمرار الإدارة الأمريكية على نفس خطى سابقاتها يعني تقويض عملية السلام برمتها، وهذا ما يهدد أمن ومستقبل المنطقة بحروب وصراعات جديدة، ويتفق مع سياسة غير معلنة لهذه الإدارات في إثارة الفوضى والصراعات والحروب من العراق إلى سوريا، وترك ساحاتها في حالة حروب مفتوحة على كل الاحتمالات، ربما أهمها تغييرات ديموجرافية وواقع جيو سياسي جديد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٠٤) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٧-١١-٢٠١٣)