* نصوصٌ تُنشر أسبوعياً، من «يوميات بيت هاينريش بول» التي كتبها الشاعر أثناء إقامته الأدبية، بمنحة من مؤسسة «هاينريش بول» في ألمانيا.

ورشة الكلوروفيل

• الكلوروفيل

يَضْلعُ مائلاً على قدمٍ مخشوبةٍ
ويسبقُ أبيه في الغابة
يلهو بنشارة الشجر في ورشة العائلة
يتدرَّبُ على تدريْمِ أرومتِه بعد نشرها
يعدُّ العدّةَ لها
يسحلُ لها المسامير ويصقلها
يُحسن معالجة الخشب
لكنه لا يَغْبِطُ النجارين:
لماذا تقطعون أشجارَ الغابة يا أبي؟
الخضرة رئة الأرض،
إنكم تقطعونَ الهواء.

تستمر الحروبُ فيكثرُ السعي نحو الغابات
للمزيد من النار والتوابيت.
لا يغبط النجارين
ولا ينسى الموتى.
ورشةُ الشجر لا تكفُّ عن العمل،
والحياة أيضاً.

• طابتِ الريحُ للأجنحة

يفتح البيتَ منافذه
وينشر الأغصانَ مراوحَ طريَّة
ويكفُّ عن النوم
كلما تصاعد ضجيجُ الكلمات
محتدمةً في الغرف المكنوزة بانفعالات الكون
ورسائلِ الشعوب في أطفالها المنبوذين
ومحتملات طقس المجرة وهي تفقد توازنها
تبدأ غيومٌ بشعرها الكثِّ في الارتجالات
والتلاعب
تطوفُ على الأبواب والنوافذ
تغسل الستائر
وتزيح النجيلات المرصوصة على الحواف
فيخلعُ البيتُ جبَّةَ الوحشة
ويعلن بيانَ اللغات المتماثلة
مازجاً طبيعة السفر بجغرافية المنفى.

• نجارٌ يَرُوزُ المكان

لخطواتي على خشب البيت
وقعُ الزمهرير في الحلم
آخيتُ هذه العتبات الليِّنة
أتخيَّلُ نجاراً يمتحنُ هندسة المكان
دَوْزَنَ خطوتَه
وَضَعَها في موازاة الجدار
ورَازَ بها الزجاجةَ الفاضحة.
حين أرفع قدمي عن برودتها
تصعد ذاكرة الشجرة في الرائحة
كتبَ عليها السيِّدُ المبجل قصيدته
ومحا نقطةً نازفةً في حرف القلب
وانتبه لانكسارةِ القلم عند خيط الدفتر
حابس الأوراق
نجارٌ يكتب
يفرِّط في تَرِكةِ الأب
ولا يغفلُ عن الحبر في النزف
في نقطةٍ
في حرفٍ
في كلمة.
يُحصي خطواتي في خشبٍ باردٍ
وفي ليلٍ موحش
مكنوزٍ بالعطايا
دفءٌ بلا ذريعة ولا مِنَّة.

• رهائنُ النص

كانت أسِرَّتهم شاغرةَ الدفء
ساعةَ دخل الجنودُ للبحث عنهم
إرهابيو الريح المتسارعة
بقمصانهم المنفلتة
منزوعة الأزرار مرفوعة الياقات
مجعلكة الأكمام.
هل أخفيتهم في طيات الكتب
بين القصائد
وثنايا المخطوطات بحبرها الطازج
حتى إذا دلفَ الجنودُ إلى غرفة الكتابة
اختلطت الرائحة في أنوفِهم الفطساء
حيث الدمُّ الطريُّ
رائحةُ الإرهابيِّ في حريته المهدورة
ورَشَّة الحبر في نهايات الورق الخشن
تقترب من نزف الجرح الفَارِّ من مظاهرة الظهيرة
لم يكن في السرير سوى غيابهم الساخن
قويّ الشكيمة
يستفزُّ ثقة الجنود بأنهم هنا
وأنك تتسترُ على تلامذة الحرية:
هل هذه دارك أم بيتُ الريح؟

لم يكن الجنديُّ ينتظر جواباً،
فقد كان يعرف.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٠٤) صفحة (٢٠) بتاريخ (٠٧-١١-٢٠١٣)