في طريق الساحل بين مدينتي القنفذة وجدة، الذي يسلكه كثير من المسافرين سواء كانوا قادمين من جيزان أم آتين من أبها والباحة، هذا الطريق يمتد كالحلم الطويل حيث تتناثر القرى والمنازل في شتات عجيب ولا يبرز في هذه المسافة الطويلة سوى مدينة واحدة وهي مدينة الليث المحاذية لساحل البحر الأحمر، أما سواها فهي عبارة عن منازل معظمها بنيت من الطوب والإسمنت و»الهناقر» وكذلك العشاش، والمدهش أن كثيراً منها في مواقع تُنذر بخطر قادم من جراء السيول التي تُداهم تلك المناطق المنخفضة، قادمة من سفوح جبال السراة لتنتهي في البحر، تلك السيول المفاجئة والجارفة تُمثل خطراً للمنازل والناس والحيوانات والممتلكات حتى الأشجار والمزارع لا تسلم منها.
ولمّا كانت تلك القرى بهذا الوضع، فإن إعادة تشكيلها على شكل مجمّعات سكنية بتخطيط جيد ومدروس، بعيداً عن مجاري السيول أصبحت ضرورة تُحتمها الظروف الزمانية والمكانية، وبديلاً مناسباً عن التبعثُر العشوائي للعمران، عندها تنشأ مدن صغيرة يسهل توفير الخدمات من طرق وكهرباء وهاتف وماء وصرف صحي وغيرها، ومما يدعم هذا المقترح:
أولاً: إنقاذ الناس من مغبة السيول الجارفة فعند التخطيط يتم اختيار المواقع المناسبة، مع الاستعانة بالصور الجوية للمواقع المنخفضة والابتعاد عنها مع التحرز بوضع مصدات إسمنتية حماية لتلك المدن الصغيرة المقترحة من السيول.
ثانياً: بهدف استقطاب السكان المبعثرين، وجمع شتاتهم، فيما لو توفرت الخدمات التي يحتاجونها.
ثالثاً: للحد من الهجرة الجائرة نحو المدن الكبرى كمدينتي مكة المكرمة وجدة.
رابعاً: التقليل من التكلفة المادية جراء تبعثر الخدمات وتشتتها وانتشارها في مساحات واسعة.
وحين مررت الأسبوع الماضي بذات الطريق جاءني طيف لرواية عبده خال «الموت يمر من هنا» ليكون البديل المناسب «الحياة تبدأ من هنا» خصوصاً أن الطريق الذي يخدم تلك المواقع مزدوج وواسع ومريح كما أن الساحل أضحى مكاناً جيداً لزراعة بعض الفواكه، خصوصاً المانجو الذي يتميز بجودة نوعه وحلاوة طعمه مقارنة بالمستورد سواء من الهند أو اليمن، ويمكن أن تقوم الشركات المتخصصة في الزراعة باستغلال المساحات الرحبة في الساحل الغربي واستزراع أنواع الفواكه حيث المناخ المناسب والتربة الجيدة والأراضي المنبسطة باستخدام الميكنة الزراعية الحديثة من ري وحصاد وغيرهما، والعجيب أن بعض الشركات الزراعية اكتفت بملاحقة الأسهم ارتفاعاً وانخفاضاً والمؤشر حتماً سيتجه نحو الانخفاض ما لم يكن هناك منتج زراعي حقيقي وموجود على أرض الواقع.. لا فرضيات وخيالا. ويزيد الإلحاح على وزارة النقل بالمسارعة في إنشاء سكة حديد على طول الساحل ليسهل تحركات الناس ويُسرّع في عملية تصدير الفواكه للمدن الكبرى حيث الاستهلاك من المنتج المحلي، كما أن ميناء القنفذة مرّ عليه ردح من الزمن مما يحتاج إلى توسعة وتحسين وتطوير خصوصاً وأن الميناء يعد من الموانئ الضاربة في القدم كما تؤكد كتب التاريخ. وبحسب ما قال عنه المؤرخ الأستاذ حسن الفقيه إن ميناء القنفذة كان في السابق له دور حيوي في استقبال بواخر الحجاج من جميع البلدان الإسلامية. وعن طريق مينائه يتم استيراد المحاصيل الزراعية والمنتجات ويتم توزيعها إلى مدن الجزيرة العربية وخارجها ما يدل على أهميته.
وإعادة هذا الميناء لما كان عليه سابقاً سوف يُنشّط الحركة التجارية ليس في القنفذة فقط بل لمنطقتي الباحة وعسير. ويخفف الضغط على ميناء جدة.
الساحل مستقبل واعد ليس فقط زراعياً بل حتى معدنياً حيث أكدت بعض الدراسات وجود ثروات معدنية كامنة في أعماق البحر الأحمر من ذهب وفضة ونحاس وزنك وبترول، فضلاً عن مزايا البحر بوجود أصناف من الأسماك التي يمكن أن تستثمر كمصادر غذائية، إلى جانب الاستثمار السياحي بإقامة منتجعات بحرية، والاستفادة من الإشعاع الشمسي الدائم بتوليد طاقة شمسية يُستفاد منها في أغراض متنوعة.
إن الاستثمار الأمثل للإمكانات الموجودة والتخطيط الجيد لتلك المواقع في الساحل الغربي مهم جداً لتحويل القرى المبعثرة إلى مدن نموذجية تعكس اهتمام وعناية الدولة بالإنسان والمكان.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٠٥) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٨-١١-٢٠١٣)