كلما لاح أمل في حلحلة الأزمة السياسية التونسية، تعترضه منغصات تعيد الوضع إلى نقطة الصفر، وكأنما هناك من ينتظر فرجاً من مكان ما لإعادة عقارب الساعة لما قبل اشتعال جسد محمد البوعزيزي منتصف ديسمبر 2010 في سيدي بوزيد، ونار الغضب التي نشرها في أنحاء تونس. نار سببتها تلك الصفعة التي جاءته على خده لحظة فقر ويأس.
قبل ثلاثة أيام تم تعليق الحوار الذي انتظره التونسيون لإخراج بلادهم من الأزمة الطاحنة بعد أن تعثرت حركة النهضة (إخوان مسلمين) في قيادة المرحلة الانتقالية التي طالت دون أن يتم إقرار الدستور التونسي الجديد، الذي يشكل إقراره نقلة نوعية في الحياة السياسية إذا كان دستوراً يعبر بتونس إلى بر الأمان بعد أن قاد سلوك النهضة البلاد إلى نفس الموقع الذي أراده إخوان مصر وما تبعه من اضطراب تعانيه مصر في الوقت الراهن. فعندما اندلعت ثورات الربيع العربي نهاية 2010، كانت الدوائر العالمية في حركة الإخوان المسلمين تعد العدة للقفز على حركة الجماهير العفوية غير المنظمة لكنها نازعة للانعتاق من الظلم والفقر والاستبداد الذي عم المنطقة دون وجود أمل بضوء نهاية النفق، حتى تحوّلت شوارع عديد من العواصم العربية إلى ساحات لغسل عار الخوف والتوجس الكاتم على صدور مئات الملايين. وكانت القيادة العالمية للإخوان تنتظر فرصة الانقضاض على السلطة عندما تبدأ في التهاوي، باعتبار الحركة التنظيم الأكثر قوة وقدرة على السيطرة على الأمور وإدارة دفتها وفق ما تريده القيادة التي تشكل حركة النهضة جزءاً مهماً من تركيبتها، رغم أن هذه البلاد قد تشرّبت كثيراً في الفعل المؤسسي السلمي البعيد عن العنف والعنف المضاد، لدرجة أن عدد الضحايا الذين سقطوا لتنتصر ثورة الياسمين لم يتجاوز مائتي مواطن، وأن رئيسها كان الأقل دموية قياساً لنظرائه الذين سقطوا عن كرسي السلطة.
لكن ثورة الياسمين التونسية، ككل الثورات التي لم تكتمل في العالم، واجهت ولاتزال تواجه الحرس القديم وتحالفاته الخارجية المتضررة من الثورة من جهة، ومن جهة ثانية كانت حركة النهضة تتهيأ لتغيير الدستور والتشريعات بما يتماشى مع أيديولوجيتها ونهجها، ما اعتبر تقاطعاً مع الجماعات المسلحة التي كانت في طور التشكل مستفيدة مما يجري على الأراضي الليبية من تشكلات للجماعات المسلحة التي لم تكن «القاعدة» بعيدة عنها. كانت التجربة النوعية الأولى لبدء نشاط الجماعة في تونس عندما تم اغتيال واحد من أهم قيادات الجبهة الشعبية الفقيد شكري بلعيد الذي تم قتله بدم بارد أمام منزله في إحدى ضواحي تونس العاصمة، ليؤسس هذا الفعل الدنيء لمرحلة جديدة في تونس أساسها الخوف من المستقبل ومن حركة النهضة والجماعات المسلحة، وقد تبيّن ذلك جلياً في أربعينية بلعيد. فرغم آلاف الحشود الذين جاءوا لتأبينه في المقبرة التي احتوت جثمانه الطاهر، إلا أن حالة القلق كانت واضحة في عيون كثيرين في شارع الحبيب بورقيبة الذي شهد المهرجان الختامي للتأبين. الخوف من النهضة وتحالفاتها الخفية أولاً، وتلكؤها في إنجاز دستور عصري يؤسس للدولة المدنية الديمقراطية الحديثة التي من أجلها خرج التونسيون يطمحون في حياة أفضل.
لم تخرج تونس من صدمة شكري بلعيد، حتى فاجأتهم القوى الظلامية بعد بضعة شهور بضربة أخرى على الرأس عندما تم اغتيال النائب المعارض محمد البراهمي في الخامس والعشرين من يوليو الماضي، في محاولة لتأسيس نهج جديد في تونس يقوم على العنف والإرهاب وكواتم الصوت. اغتيال البراهمي وضع البلاد في فوهة المدفع، فزاد الاحتقان السياسي بين الترويكا الحاكمة من جهة والقوى المعارضة وفي مقدمها الجبهة الشعبية وجبهة الإنقاذ من جهة أخرى، وبدت تونس وكأنها تنتظر من يدعس على الزناد، ما فرض ضرورة تهيئة أجواء الحوار لتفادي انزلاقة مشابهة لتلك التي حصلت في مصر.
حركة النهضة لم تكن في أحسن حالاتها وبدأت تفقد مزيداً من أنصارها الذين صوتوا لها في الانتخابات التي حصدت فيها حصة الأسد. والقوى المعارضة شعرت بخطورة تبعثرها فأوجدت لها حالات من التحالف في مواجهة النهضة وحلفائها. في هذه الأثناء كانت القاهرة تضبط إيقاع احتجاجات الإخوان على عزل مرسي بعيد ثورة 30 يونيو وتقديمه هو وقيادات إخوانية إلى محاكمات جنائية، بعد أكثر من عام على فشلها في إدارة البلاد وإغراقها في الفوضى الخلاقة وعدم الاستقرار واستفحال الأزمات السياسية والمعيشية، وهو أمر قريب لما يحصل في تونس الآن. فهل حركة النهضة مصرة على إعادة إنتاج ما حدث في مصر؟
في الوهلة الأولى، تبدو المشاهد مكررة، فالإخوان المصريون حكموا مصر بعقلية إدارة الجماعة وتجاهلوا أن مصر بها دولة عميقة تحركت منذ اللحظة الأولى لإعادة ما خسره النظام بسقوط حسني مبارك، وأن هذه الدولة هي نفسها التي يغرس التاريخ جذوره في أرضها منذ أكثر من ستة آلاف سنة، ومصر الدولة الأعرق من حيث القانون والنزوع للمدنية، وبها فسيفساء حزبية وأهواء سياسية بحاجة إلى حركة أو نظام جامع وليس إلى حزب يسيطر على كل مقاليد الأمور ويتصرف مع الدولة وكأنها غنيمة حرب يوزعها على عناصره بينما لم تبدأ بعد المرحلة الانتقالية التي تقود إلى الدولة المدنية الديمقراطية. بيد أن تونس لم تصل إلى مرحلة كسر العظم، ولا يزال في الوقت متسع، حيث يشكل الحوار الجدي الذي يفضي إلى نتائج على التونسيين جميعاً، فرصة كبرى لإبعاد البلاد عن ضرب السلم الأهلي والاستقرار الاجتماعي والتفرغ إلى التنمية الإنسانية المستدامة القادرة على مواجهة التحديات الكبرى وفي مقدمها الفساد الإداري والمالي ومواجهة الاستبداد وتشييد الدولة التعددية التي يعيش فيها الجميع بأمن وسلام. مواصفات هذه الدولة يمكن صقلها فقط بالحوار المؤمن بالآخر وغير المصادر لحق الأقليات أو الاثنيات العرقية أو السياسية. وهو تحد ليس للنهضة فقط بل لكل أطياف العمل السياسي في تونس.
تونس اليوم وبعد قرابة ثلاث سنوات على ثورة الياسمين تواجه ما كان مخبَّأً تحت إبط الدولة الأمنية، كالاستبداد، والفساد بكافة أشكاله والفقر والجوع الذي كان سبب صفعة البوعزيزي، والتعددية والشفافية والإفصاح، والبطالة والمرض. صحيح أن الأرقام الرسمية تتحدث عن تراجع بسيط في نسب البطالة إلى قرابة 16%، يشكل حملة الشهادات العليا فيها نسبة تزيد على 31%، لكن الصحيح أيضاً أن الاستثمارات الأجنبية في تراجع بلغ مع نهاية أغسطس الماضي 45%، مقارنة بتراجع في العام الماضي بلغ 21%، والعام الذي قبله 25 %. ويشكل هذا عنصراً ضاغطاً على إمكانية إيجاد فرص العمل الجديدة التي لا يمكن توليدها إلا بعد إحداث انفراجات أمنية وسياسية وبحلول جذرية للأزمة السياسية التي تعصف بتونس وتهدد السلم الأهلي. وإذا أضيف حجم الدين لكل هذه العناصر الطاردة للاستقرار، فإن الأزمة تزداد تعقيداً. فبسبب غياب الشفافية تتفاوت التقديرات إزاء ما ينبغي على تونس دفعه من دين مع نهاية العام الجاري بين 370 مليون دينار تونسي، حسب البنك المركزي، وبين ثلاثة مليارات دينار حسب تقديرات بعض المحللين. هذا الفرق سببه غياب الشفافية وهو فرق مضر بمصداقية الوضع الاقتصادي وبالتالي على الوضع العام.
رغم كل ما سبق يبدو أن التونسيين قد فهموا الدرس المصري، وهناك ضوء في نهاية النفق بالرغم من وقف الحوار قبل أيام على خلفية الاتفاق على اسم رئيس الوزراء الذي يفترض أن يخلف حكومة النهضة برئاسة علي العريض. فتونس بحاجة ماسة إلى الاستقرار السياسي وإشاعة أجواء الحل المطلوب، حيث يقود الاتحاد التونسي للشغل وساطة تهدف لإبعاد تونس عن شبح التدهور الأمني والسقوط في العنف والفوضى الخلاقة، وإقرار دستور عصري تمهيداً لبناء الدولة الحديثة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٠٥) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٨-١١-٢٠١٣)