تابعنا قبل أيام الموجة العارمة لتصحيح العمالة السائبة والهاربة التي تغلغلت في بلادنا سنوات طويلة، وأخلت بموازين أمنه واقتصاده، حتى أن هناك عصابات تكونت من تلك العمالة الهاربة وأصبحت تشكل خطراً على الأمن الوطني الداخلي، وكانت تلك العصابات تخطط لتهريب العمالة المنزلية من خدم وسائقين ويستفيدون من بيع خدماتهم إلى آخرين من ضعفاء النفوس الذين فتحوا المجال أمامهم ليعيثوا في البلاد.
وقد فعلت خيراً وزارة الداخلية ووزارة العمل بأن اهتمتا بهذا الموضوع وجعلتاه من أولوياتهما الرئيسة، حتى أن بعضهم كان يردد أنهما سيكونان مثل سحابة صيف، سوف يهددان ثم يتواريان عن الأنظار ويرجع كل شيء إلى ما كان عليه، ولكن هذا الشيء لم يحدث فواضح أمامنا الإصرار على تنفيذ هذا المشروع حتى نهايته وتطبيق الأنظمة الصارمة بحق المخالفين؛ حتى نجعل بلادنا لها مهابة واحترام أمام الجميع، ونظيفة من المتخلفين تماماً.
والناظر في طرقاتنا في الأيام الماضية يشعر أنها تنفست الصعداء وانتفضت عن نفسها من الزحامات المرورية والعشوائية وكذلك من المركبات البالية والقديمة التي يستخدمها أولئك المتخلفون عن نظام الإقامة، فحري بأبناء المجتمع كافة أن ندعم بعضنا بعضا والوقوف مع رجال الأمن وهم يبحثون عن العمالة المتخلفة ليتم ترحيلها من البلاد ومن غير رجعة.
وقد يأتيك بعضهم وهم يظنون بطيبة منهم ومن غير قصد ويقولون: لماذا قطّعوا أرزاق هؤلاء؟ ولماذا يفعلون بهم هكذا؟ فأقول: الدولة اتبعت الأساليب النظامية فمنحت لهم مُهلة لمدة أشهر لتصحيح أوضاعهم دون مساءلة أو تحقيق، ثم مددت هذه المهلة فترة أخرى بسبب الزحامات التي شهدتها مواقع الجوازات خاصة في المدن الكبيرة، فالدولة لم تقف في وجه العمالة النظامية التي تعمل بطرق نظامية وواضحة وتكسب قوتها ورزقها، وهذا العمل الذي قامت به الدولة معمول به في أغلب دول العالم بالنسبة للعمالة الوافدة التي تخالف أنظمة الهجرة والإقامة.
ويذكر لي أحد الأصدقاء من أصحاب العمل أنه سأل أحد المسؤولين في الإمارات عن عدد الهاربين لديهم فرد عليه «ولا واحد» هارب لدينا، ويذكر أنه بسبب تطبيق أنظمة صارمة في هذا الشأن فإن بعض العمال يحتاطون عند ذهابهم لمقابلة زملائهم في قطاعاتهم من حضور المفتشين على نظام الإقامة ومن ثم يُنظر لهم بأنهم يعملون في قطاع غير قطاعهم ويطبق عليهم القانون وهذا ما نريده فعلاً أن يسري في بلادنا.
وقد أتفق مع من يقول إننا سنفقد بعض احتياجاتنا من المهن التي نحن في حاجة لها بسبب قلة الأيدي العاملة المتخصصة التي غادرت البلاد، وهذا من وجهة نظري شيء طبيعي في عمليات التصحيح، ولابد أن يعاني المجتمع من أبعاد هذه المشكلة التي أضرت بنا كثيراً، ومن ثم يبدأ تدريجياً في الانسجام مع الوضع دون أي كدر أو تضجر وإيجاد الحلول البديلة بدلاً من الاتكال على تلك العمالة.
والفرصة الآن أمام شبابنا الطموح الذي يبحث عن أعمال خاصة، فالمجال أصبح مفتوحاً والمنافسة قلت، فلينهض شبابنا بكل همة وإصرار وأن يعملوا ويجدوا كما كانت تلك العمالة تعمل وتكسب، وحري بالجهات المتخصصة أن تساعد أولئك الشباب الراغب في العمل لحسابه وتكوين مشاريع جديدة يبدأها صغيراً ثم يصبح كبيراً بأن نبتعد عن التعقيدات اللازمة عند طلب فتح سجل تجاري أو محل أو مشروع تجاري صغير، أو احتاج إلى قروض وغيرها وأن تُيسر عليهم الطلبات مع ضمان الحقوق المالية والنظامية للقطاع، وهذا سوف يدفع شبابنا إلى العمل الخاص وتخف البطالة التي نعاني منها حتى الآن.
بلدنا فيها الخير الكثير والمجالات الآن واسعة للجادين فقط في البحث عن أعمال، فماذا يعني وجود أكثر من ثمانية ملايين وافد للعمل في المملكة إلا أن الفرص العملية متاحة ومتوفرة أكثر من أي مكان.
ختاماً: ما قامت به الدولة من تصحيح أوضاع العمالة إنما يؤكد سيرها في الطريق الصحيح، وحرصها على اجتثاث الفساد شيئاً فشيئا ولكن سن الأنظمة والتشريعات الصارمة بعد هذا التصحيح هو الأنسب في الحفاظ على سير الأمور نظامية دون الإخلال بها من أي أحد.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٠٦) صفحة (١٢) بتاريخ (٠٩-١١-٢٠١٣)