الشمس.. تعود

تصوير: ثامر العجلان

طباعة التعليقات

زكية نجمالسعودية

أنجبتني الأرضُ ذات قحطٍ.. تمدَّدتُ على ظهرها دهراً ولم أصحُ.. وحين لسعتني حُرقةُ الشموس سوّلتْ لي نفسي النهوض.. سرتُ حافية القدمين على رمالٍ من لظى.. ارتواني عطشُ الصحاري.. مزّقتني حِرابُ الجوع.. وحين اشتدّت سواعِدُ الرّيح تقاذفتني تيارات الهواء يُمنةَ ويسرة وأخطأني صوابُ الطريق.

* * *

استبدّ بي تعبٌ وجوعٌ، فارتميتُ على جسد مدينةٍ لا تتسلق الشمسُ أسوارها.. انزويتُ وراء جدارٍ هرِمٍ وأخذتُ أنصتُ لتراتيل الشجر العاري.. تأملتُ الطرُقات.. ساهمة لا تجيدُ الكلام والبشرُ من حولي أعوادٌ خشبية مسلوبة الأفواه.. مبلّلة المآقي.. تقطُرُ منهمُ النواصي والأقدام.. مرّ عامٌ وعامٌ تلو عام ولا شيء سوى.. جوع وعطش وظلام.

* * *

نفض الخريف سُترته ومضى.. شرِبت الغابة دلاء الغيم ومُدُن الغرباء لا تزالُ عطشى.. تهجّأت خرائط الأبواب العتيقة وبين كفّي بوصلةٌ تنعي المسافة.. تناهتْ إلى سمعي همهماتُ واعظة طاعنة في السِّن.. يتلصصُ صوتها بين كثبان الحُزن.. يحبو نحو أذني رويداً رويدا:
«سيهطل سواد الليل داخل حدقتيكِ فارتقبي من السماء ميلاد ضوءٍ ينيرُ عتمة النهارات».. اتجهتُ نحوها.. تأملتُ وجهها.. ندوبٌ غائرة على صفحته.. وعينان خبا بريقهما والتهم البياض السواد.. لملمتْ أصابعي بين كفّيها.. رفعتها نحو أنفها وأخذت تشمّها واحداً تلو الآخر..
- فيكِ رائحة ابنتي.
- ربما أنتِ أمي.. لا أعرفُ لي أماً.
- سأكون أمكِ إن وجدتِ الضوء.
- وسأجدُ ضوءاً لعينيكِ .. أمي
وضعتْ يدها المعروقة على رأسي.. تمتمتْ بتعويذةٍ لم أفهم كلماتها.. توكّأت على عصاها.. التحفت الظلام واختفتْ.
بقيتُ جاثمة على ركبتيّ.. أسكبُ وميض القمر في آنيةٍ أكل أطرافها الصّدى.. أنتظرُ من اللحظات أن تمرّ سِراعاً كي تبصرَ خيوط الفجر طريقها نحو هذه الأرض.

* * *

الليل سيلٌ جارفٌ.. قلبي قاب قوسين من اليأس.. فرغتُ من صلاةٍ طويلة.. تشبثتُ على قارعة الحُلُم بطرفِ نهارٍ بعيدٍ ونمتُ في سلام.
برز شعاعٌ صارخٌ على صفحة الأفق.. ثقبَ وهجه صدْر السواد.. استفقتُ.. شممتُ رائحة الشمس.. تذكرتُ وجه أمي.. وبكيتُ.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧٠٦) صفحة (٢٠) بتاريخ (٠٩-١١-٢٠١٣)