صحيح أن السلطات التركية تمكنت من السيطرة على الحراك الشعبي الذي تمركز في حديقة غازي الملاصقة لميدان تقسيم بإسطنبول، لكن الصحيح أيضا أن هذا الحراك قد ترك جرحا غائرا لدى حكومة حزب العدالة والتنمية الذي يتزعمه رجب طيب أردوغان، سواء على الصعيد الشعبي الداخلي بشعور الحكومة أن هناك من يرى اعوجاجا في أدائها الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والبيئي عندما اقتلعت أشجار الحديقة الشهيرة، أو على الصعيد الخارجي بما فيه العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وجدل الطلب التركي للدخول في هذا النادي، واستتباعا العلاقة مع دول الجوار، حيث تغرق تركيا في الأزمة السورية حتى بدأت تؤثر عليها أمنيا واقتصاديا.
في «غازي بارك»، كان ثمة امتحان للسياسة والاقتصاد… والأخلاق أيضا. ذاك ما لاحظناه في كلمات الفعاليات والأحزاب والنقابات التركية في مؤتمر الاشتراكية الدولية الذي عقد في إسطنبول يومي 11 و12 نوفمبر الجاري، واستضافه حزب الشعب الجمهوري المعارض. فقد تحدث زعيم الحزب كمال أوغلو عن حركة غازي بارك وقال إنها تعبر عن أزمة الحرية والديموقراطية التي يحاول الحزب الحاكم مصادرتها من الشعب التركي، وكذلك تحدث آخرون شاركوا في الحراك بينهم إسلاميون، حيث قال أحدهم إن ما جرى في تقسيم وغازي بارك هو حراك تركي خالص لم يوجه من الخارج كما يدعي الحزب الحاكم. غرف التجارة والمهندسون أيضا تحدثوا في المؤتمر وأعلن الجميع تخوفه من عودة التفرد بالسلطة على خلفية استمرار حزب العدالة في الحكومة.
إن البقاء طويلا في السلطة من شأنه أن يؤسس إلى بوادر فساد، يدعي بعض من تحدثوا أنها تنمو ولو ببطء. وهذا أمر يشكل قلقا كبيرا لدى الأتراك، رغم أن أكثريتهم لا تزال ترى في حزب العدالة الحزب الأكثر قدرة على إدارة دفة البلاد بعد عقود من الفساد الصارخ في أوساط النخبة السياسية. الخوف من ترجمة المقولة الشهيرة «السلطة تنزع وتفسد»، التي مرت على كثير من البلدان الشمولية الغائبة عنها الديموقراطية، فبطشت باقتصادها وسلمها الأهلي واستقرارها الاجتماعي، حيث يأخذ الصراع على السلطة أشكالا بعيدة عن الديموقراطية الحقيقية والشفافية والإفصاح. ويبدو أن التراجع النسبي في أداء الاقتصاد التركي يقدم مؤشرات جدية على وجود محاذير ينبغي تجنبها إن أرادت أنقرة عبور ألغام الأزمات الإقليمية، فضلا عن أزمات الداخل.
حسب إحصائيات وأرقام المعارضين للحكومة التركية، فقد سقط أكثر من سبعة قتلى، وجرح نحو 8000 شخص، منهم عشرات فقدوا عيونهم، وأن أكثر من 130 ألف تعرضوا لاستنشاق الغازات الخانقة، وما زاد من تأثيراتها السلبية أنها منتهية الصلاحية، حسب المعارضين. كما أن هناك المئات الذين فقدوا وظائفهم بينهم عشرات الصحافيين وناشطو وسائل التواصل الاجتماعي الذين اعتقل منهم العشرات أيضا.
بعد قرابة ستة أشهر على أحداث «غازي بارك»، تبدو الحركة في ساحة تقسيم المجاورة قد عادت إلى طبيعتها، فالشارع الشهير يغص بالمتبضعين والمتجولين والمتسكعين، وكأن الناس تريد أن تنسى ما حصل للحديقة والتغييرات التي طرأت على الساحة، حيث تم افتتاح نفق تحت تقسيم وزادت مساحة المارة وأغلقت بعض الشوارع المؤدية إلى الساحة في وجه السيارات واقتصرت على المارة. هذا من ناحية التغييرات في البنى التحتية، أما في الجوانب السياسية فإنها تبدو غير ذلك، حيث تبدو القطيعة في تصاعد بين الحزب الحاكم وبين أحزاب المعارضة بفضل زيادة الملفات المختلف عليها محليا وإقليميا. فالناس تشخص أنظارها إلى الانتخابات النيابية المقبلة التي ترجح بقاء «العدالة» في السلطة إن لم تحدث تطورات دراماتيكية وازنة وماكنة، بينما تنهش تداعيات الأزمة السورية في شعبية أردوغان وحزبه، وإن لم تصل بعد إلى مرحلة الخطر بفضل الاستقرار الاقتصادي قياسا لدول الاتحاد الأوروبي التي يتردى أداؤها كلما تم تأجيل حل المشكلات بطرق علمية.
قد يكون من شأن حركة غازي بارك التي سحقت أن تؤسس أجراس إنذار للحكومة الحالية بضرورة العودة إلى صفاء ونقاء اللحظة الأولى التي فاز فيها حزب العدالة بالحكومة في العام 2002، ذلك أن الأزمات التي تعصف بأوروبا ليست أزمات «سحابات الصيف العابرة»، بل هي أزمات كبرى من شأن إدارة الظهر لها أن تفاقمها ومن ثم العجز عن معالجتها. نتحدث عن إفلاس اليونان وقبرص وأزمة البرتغال وديون إسبانيا وإيطاليا وتعثر النمو الإيجابي في كل من فرنسا وألمانيا، هي أزمات متنقلة لا يعرف متى سيأتي دور الدول الأخرى، في وقت تسجل فيه الموازين التجارية لتركيا أرقاما فلكية، إذ يصل التبادل التجاري بينها وبين دول الاتحاد الأوروبي نحو 120 مليار دولار، بينما يتصاعد مع دول الجوار رغم الأزمة الإقليمية، حيث يصل التبادل مع إيران نحو 17 مليار دولار، ودول التعاون نحو 10 مليارات، والولايات المتحدة الأمريكية 20 مليارا، فيما تتزايد أعداد الشركات التركية العاملة في العراق وخصوصا في إقليم كردستان.
ومع التعقيد المتزايد للأزمة السورية، فإن تبعاتها ستشمل تركيا، وخصوصا في الجانب الأمني على المناطق الحدودية مع سوريا، ما يفرض تحركا تركيا سريعا لسد الثغرات الآخذه في الاتساع وتباين الرؤى بين حلفاء الأمس على خلفية الملف النووي الإيراني وعقد مؤتمر جنيف2.
قد يكون رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان هو الذي أصابه جرح الكبرياء أكثر من غيره في حزب العدالة الحاكم، بسبب وجوده في بوز المدفع من جهة، ومن جهة أخرى لطموحاته في تقلد منصب الرئاسة بعد أن حظي برئاسة الحكومة دورتين انتخابيتين. وقد يكون ما حدث في حديقة غازي بساحة تقسيم خدشا لكبرياء شخصي وتعثر لطموحات فردية لأردوغان. لكن ما هو مؤكد أن الوضع التركي الداخلي وخصوصا على صعيد التحالفات الحزبية، يختلف عما بعد سحق الحراك وفتح النفق الجميل تحت ساحة تقسيم. ولعل الأيام المقبلة تقدم صورة أكثر وضوحا إزاء المعادلات السياسية والاقتصادية التي ستسير عليها تركيا، خصوصا بعد أن تتضح التوجهات الجدية في مسار الأزمة السورية والملف النووي الإيراني.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧١٢) صفحة (١٣) بتاريخ (١٥-١١-٢٠١٣)