ثلاث أمسيات متتابعات تحدثت عن أدب الرحلات لمدينة جدة، ثنتان منها في أسبوعية الدكتور عبدالمحسن القحطاني، وثالثة في أدبي مكة المكرمة وكانت محاضرة الدكتور عدنان اليافي التي ألقاها قبل أيام قلائل في صالون القحطاني الثقافي ممتعة لشيئين، المعلومات الزاخرة التي أوردها المحاضر، ولتوظيفه التقنية الحديثة في عرض كثير من الصور والخرائط القديمة والحديثة، وما قدّمه يُعد جهداً موفقاً لكونه استقى معلومات المحاضرة من بعض الكتب التاريخية وما أورده الرحالة والمستشرقون عن مدينة جدة فضلاً عن المعلومات والصور التي حصل عليها من المكتبات الشهيرة في أوروبا وأمريكا، وكنت أتساءل لماذا العرب يحرصون التركيز على الماضي والتغني به؟ إلى درجة فقدان الرؤية الدقيقة للحاضر والمستقبل وهذا الذي أشغل الدارسين وإن كنا نتفق بأن الدراسات التاريخية مهمة، ولكن ينبغي ألا تكون على حساب الحاضر المعاش والمستقبل المنتظر، ولا أدل على ذلك من تكرار الإثارة لجيم جدة هل هي بالضم أم الفتح أم الكسر؟ ولا يهم عامة الناس تلك الإثارة، فالقلوب مفتوحة لها كما أنها مضمومة في حجرات قلوبهم، وينكسر من استغل منصبه في الإساءة لها وتعريضها للتقهقر والخطر.
ولا يختلف اثنان في كون مدينة جدة ضاربة في القدم سواء قالها المؤرخون أم لم يقولوها وإن كنا ندرك جيداً بأنهم جاءوا من بلدان بعيدة من أجل الغزو أو الاستعمار أو الاستكشاف أو الدراسة، وكان الإسكندر المقدوني بحسب ما ذكرت الكتب التاريخية أنه أول من جاء غازياً قبل الميلاد بأكثر من ثلاثمائة سنة، حيث وصل الجزيرة العربية ومرّ بمكة المكرمة وجدة وانعطف إلى مصر، وتبعه في أزمان مختلفة كثير من الرحالة الذين تغلغلوا في أنحاء الجزيرة، صحراؤها والهضاب، جبالها والسواحل ومن بين المواقع المهمة مدينة جدة، ولا ضرر في الحديث عن تاريخها وإن كنت أتمنى من قسم التاريخ والآثار بجامعة الملك عبدالعزيز تقديم دراسة عن تاريخ جدة والتأكيد عن قبر أم البشرية حواء أو عدمه والذي يجثم في أحد أحيائها القديمة ومع الأسف كثير من أهالي جدة نفسها لا يعرفون عن القبر شيئاً في الوقت الذي لفت انتباه كثير من الدارسين الأجانب، وإذا تأكد بأن القبر هو قبر أمنا حواء فيعني هذا أن جدة هي أقدم مدينة على وجه البسيطة لأن ارتباطها- أي جدة – بأول مخلوقين هما أبو البشرية آدم عليه السلام وأمنا حواء، وهذا دور الجهات المختصة كأقسام التاريخ والآثار في الجامعات السعودية، ولما كانت المحاضرة شيقة سيما وأنها جاءت من أحد الهواة وليس الأكاديميين المتخصصين إلا أن ثمة أسئلة تطفو على السطح لمَ لا تهتم الصوالين الأدبية بالمشكلات القائمة أولاً؟ وباستشراف مستقبل جدة التي تفترش جزءاً من الساحل الشرقي للبحر الأحمر بين درجتي عرض(15-21)-(25-21) وخطي طول (5-39)-(20-39) ونمت في الآونة الأخيرة بشكل سريع عمرانياً وسكانياً وحضارياً ويأخذ اتجاه النمو شمالا وجنوباً تناغماً مع طبوغرافية المدينة وهي ليست بعيدة عن أخطار تواجهها من جراء مياه الأمطار التي تشكل سيولاً جارفة، وقد حدث في عشر السنوات الأخيرة مرتين أودت بحياة كثيرين، وهذا الذي يدعم ضرورة استقراء المستقبل لا العودة إلى الماضي فتلك ذاكرة تهم المختصين بمعنى أنه شأن خاص، أما مستقبل المدينة فيهم كل من يعيش بها أو يزورها فهو شأن عام، ولما كانت أسبوعية الدكتور القحطاني الثقافية قد حددت مسارها بالاهتمام بجدة فليت لها أن تنعطف إلى المستقبل بدعوة القادرين إثراء هذا الجانب حقه من الدراسات والبحوث والمعلومات ليستفيد منها المخططون لهذه المدينة بجعلها العروس الحالمة التي ترخي رموشها على مياه البحر وتفتح عينيها النجلاوين أمام الشمس استلهاماً لمستقبل بهي.
إن من المؤلم أن تأتي مدن حديثة النشأة كدبي، وتقطع شوطاً حضارياً في حين تتراخى أقدام الحصان الأصيل لتعيش جدة حزمة من المشكلات كان يجب أن تتجاوزها إلى آفاق أبعد، وهاهي الآن تحاول استعادة شيء من جمالها ومجدها وألقها، وللحق يقال إن أميرها يلاحق الزمن بعد أن توقف القطار ردحاً من الزمن، جدة تحتاج إلى لجنة عالية المستوى لوضع دراسة مستقبلية لأنها تستحق الحب والجهد والمال.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧١٥) صفحة (١٦) بتاريخ (١٨-١١-٢٠١٣)