في الثالث والعشرين من نوفمبر 2011، قدم البروفسور محمود شريف بسيوني إلى عاهل البحرين الملك حمد بن عيسى آل خليفة، تقرير اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق المعروفة باسم «لجنة بسيوني» نسبة إلى رئيسها.
كان حفل التقرير مهماً وكبيراً ومؤثراً، تم بثه على الهواء مباشرة للعالم أجمع وحضره مئات المسؤولين الحكوميين وفي مقدمتهم عاهل البحرين ورئيس وزرائه وولي عهده، وقدم فيه بسيوني كلمة لخصت بكثافة التقرير الذي احتوى على نحو 600 صفحة مليئة بالرصد والمقابلات والوثائق التي جمعتها اللجنة وغطت شهري فبراير ومارس 2011 والتوصيات المطلوب من الجانب الرسمي إنجازها. وقد تجاوب ملك البحرين مع التوصيات وأعلن في كلمته في نفس الحفل أن الحكومة سوف تنفذ كل التوصيات التي خلصت إليها لجنة تقصي الحقائق، التي تتكون من خمسة قانونيين، ثلاثة رجال وامرأتين وهم: البروفسور محمود شريف بسيوني، الدكتور نايجل برودلي، الدكتور فيليب هيرش، الدكتورة ماهنوش إرسنجاني والدكتورة بدرية العوضي. وتعتبر اللجنة دولية، وجاء تشكيلها بناء على رغبة عاهل البحرين، وهي المرة الأولى على المستوى العالمي التي يبادر فيها رأس الدولة إلى تشكيل لجنة تتقصى حقائق الانتهاكات التي قامت بها أجهزة الأمن، وقد سجلت سابقة إيجابية على المستوى الدولي.
في كلمته التي ألقاها أمام القيادة السياسية البحرينية، سجل بسيوني سبع عشرة توصية، أهمها التوصية الأولى التي تنص على «تكوين لجنة وطنية مستقلة ومحايدة تضم شخصيات مرموقة من حكومة البحرين والجمعيات السياسية والمجتمع المدني لمتابعة وتنفيذ توصيات هذه اللجنة، على أن تعيد اللجنة المقترحة النظر في القوانين والإجراءات التي طبقت في أعقاب أحداث شهري فبراير ومارس 2011 بهدف وضع توصيات للمُشرِّع للقيام بالتعديلات الملائمة للقوانين القائمة ووضع تشريعات جديدة حسبما هو وارد في هذه التوصيات». كما تشكل التوصية الثانية صمامات أمان مستقبلية لوقف التعذيب، حيث نصت على «وضع آلية مستقلة ومحايدة لمساءلة المسؤولين الحكوميين الذين ارتكبوا أعمالاً مخالفة للقانون أو تسببوا بإهمالهم في حالات القتل والتعذيب وسوء معاملة المدنيين، وذلك بقصد اتخاذ إجراءات قانونية وتأديبية ضد هؤلاء الأشخاص بمن فيهم ذوو المناصب القيادية، مدنيين كانوا أم عسكريين، الذين يثبت انطباق مبدأ «مسؤولية القيادة» عليهم وفقاً للمعايير الدولية». أما التوصية السابعة التي جاءت في توصيات كلمة بسيوني فتنص على «القيام بتحقيقات فاعلة في حوادث القتل المنسوبة لقوات الأمن وتحديد المسؤولين عنها.. وكذلك، التحقيق في جميع دعاوى التعذيب والمعاملة المشابهة من قبل هيئة مستقلة ومحايدة، مع تأسيس هيئة مستقلة دائمة للتحقيق في كل شكاوى التعذيب أو سوء المعاملة والاستخدام المفرط للقوة أو سوء المعاملة الأخرى التي تمت على أيدي السلطات. ويجب أن يقع عبء إثبات اتساق المعاملة مع قواعد منع التعذيب وسوء المعاملة على الدولة»، فيما تؤكد العاشرة على «توصي اللجنة بأن تقيم الحكومة بصورة عاجلة، وأن تطبق بشكل قوي، برنامجاً لاستيعاب أفراد من كافة الطوائف في قوى الأمن». وتذهب التوصية الثانية عشرة إلى المطالبة بـ«إلغاء أو تخفيف كل الأحكام الصادرة بالإدانة على الأشخاص المتهمين بجرائم تتعلق بحرية التعبير السياسي التي لا تتضمن تحريضاً على العنف. وتخفيف أحكام الإعدام التي صدرت في قضايا القتل المرتبطة بأحداث فبراير ومارس». كما دعت التوصية الخامسة عشرة إلى «تخفيف الرقابة على وسائل الإعلام والسماح للمعارضة باستخدام أكبر للبث التليفزيوني والإذاعي والإعلام المقروء»، وجاءت التوصية السادسة عشرة بالتأكيد على «اتخاذ إجراءات مناسبة بما في ذلك إجراءات تشريعية للحيلولة دون التحريض على العنف والكراهية والطائفية والأشكال الأخرى من التحريض التي تؤدي إلى خرق حقوق الإنسان المحمية دوليّاً».
هذه التوصيات، وعشرات غيرها من التي احتوى عليها تقرير تقصي الحقائق، كانت تشكل فرصة كبرى لإخراج البلاد من الأزمة السياسية التي تعصف بها. وكان لتنفيذها بشفافية أن تنقل البحرين من حالة التجاذب الراهنة إلى حالة الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي. فالبحرين دولة صغيرة تقع وسط الخليج العربي الذي يموج بحره بأحداث إقليمية كبرى، بدءاً من العراق الذي لم يهدأ منذ إسقاط النظام السابق ووضع دستور المحاصصات الطائفية والعرقية، مروراً بالملف النووي الإيراني الذي يعيش هذه الأيام مخاضات المفاوضات بين إيران وبين الدول الكبرى الست، وصولا إلى سوريا التي تعيش عمليات الاحتراب الذي يقضي على الأخضر واليابس ويسقط فيها المدنيون الأبرياء بطريقة بشعة ليصل عدد القتلى إلى نحو 120 ألف قتيل، عدا الجرحى الذين يقدرون بنحو مليون شخص، وملايين اللاجئين في الداخل والخارج السوري.
بعد سنتين على إطلاق تقرير وتوصيات اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق، يتكشف أن الخلل الأكبر الذي قاد إلى تعثر تنفيذ أغلب توصياتها يتمثل في طبيعة تطبيق التوصية الأولى القاضية بـ»تكوين لجنة وطنية مستقلة ومحايدة تضم شخصيات مرموقة من حكومة البحرين والجمعيات السياسية والمجتمع المدني لمتابعة وتنفيذ توصيات هذه اللجنة»، فقد تشكلت تلك اللجنة من طرف واحد، ما شكل خللا كبيرا في طريقة عملها، الأمر الذي قاد إلى إصدارها تقريرا مستعجلا وعاجزا عن محاكاة الواقع من حيث بُعد اللجنة عن الوقائع وعدم قيامها بمهام المتابعة والتنفيذ التي نصت التوصية الأولى عليها. هذا الأمر قاد إلى استمرار الأوضاع على ما هي عليه دون تغيير يذكر رغم الأحاديث المتصاعدة عن تنفيذ توصيات لجنة بسيوني، ورغم انتهاء الحوار الأول الذي انطلق مطلع شهر يوليو 2011 وانتهى نهاية نفس الشهر بخلاصات لم ترتق إلى مستوى التحديات التي تواجهها البحرين في بحر متلاطم الأزمات. إن خلل تركيبة لجنة متابعة توصيات بسيوني أفرز حالة من اليأس أمام القوى المجتمعية، كما قادت النتائج المتواضعة للحوار الأول، كثيرا من الدول إلى الدعوة إلى عقد حوار جديد ذي معنى ويفضي إلى نتائج إيجابية تعم جميع مكونات المجتمع البحريني وينهي الأزمة القائمة منذ أكثر من سنتين ونصف السنة، فعلت فعلها في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، حيث تسجل الأرقام والإحصائيات تراجع أداء الاقتصاد الوطني حتى بلغ الدين العام نحو 13 مليار دولار أمريكي، وهو رقم كبير قياساً لحجم الاقتصاد البحريني وقلة الإنتاج النفطي الذي تعتمد على عائداته الموازنة العامة بنسبة 87%. وهو أمر قاد إلى تراجع توليد فرص العمل الجديدة وبالتالي زيادة نسبة البطالة خصوصا بين الشباب لتصل إلى نحو 28%.، في ظل تزايد أعداد العمالة الوافدة لتصل نسبة مشاركتها في مؤسسات القطاع الخاص إلى 78%. وهي نسبة غير مسبوقة وتأتي تماشياً مع زيادة عدد الوافدين ليصل عددهم إلى أكثر من 54%. من إجمالي عدد سكان البحرين. يضاف لذلك انتظار نحو 55%. من الأسر البحرينية للخدمات الإسكانية التي تشهد أزمة متزايدة خصوصاً مع ارتفاع أسعار العقار في البحرين ما يعني عدم قدرة أبناء الطبقة الوسطى بناء أو شراء المنازل التي يحلمون بها.
ربما تكون مناسبة مرور سنتين على توصيات اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق فرصة أخرى لتحريك المياه الراكدة من تحت الأزمة السياسية التي تعاني منها البلاد، عبر الشروع في مواجهة استحقاقات المرحلة التي تتكثف في تنفيذ توصيات لجنة تقصي الحقائق بشفافية وإفصاح والشروع في حوار جدي قادر على إخراج البلاد من كبوتها وإبعادها عن التجاذبات الإقليمية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٧١٩) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٢-١١-٢٠١٣)